كلمة الأمير سلطان في ورقة عمل "ربط نشوء الإسلام ببداية التاريخ" بملتقى آثار المملكة

  • Play Text to Speech


 
كلمة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان
رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني  
في جلسته الخاصة وإلقائه ورقة عمل بعنوان "ربط نشوء الإسلام ببداية التاريخ" 
على هامش ملتقى آثار المملكة الأول
يوم الأربعاء 19 صفر 1439هـ الموافق 8 نوفمبر 2017م

هذه الورقة بدأت منذ أربع سنوات، أنا بدأت حياتي منذ الصغر في موضوع الآثار، لما كنت مرفقاً للملك سلمان، والدي، ووالد الجميع يحفظه الله، وكان شغوفاً ومغرماً بهذا الشيء. فكنا نذهب لكل المواقع خاصة مواقع الدولة السعودية، ومواقع الإمام تركي مؤسس الدولة السعودية الثانية، ولكن بالنسبة لي أول تجربة كانت للدرعية التاريخية والعلا، ذهبنا مع الوالد، وكنا نذهب للمزارع هناك، ونتمتع مع أهل المزارع، وكنا نرى الدرعية خرابة، وهذه قصة الدرعية بدأت من هذه الخرابة التي كانت تهدم وتخرب في عام 1818م، وبدأت قصة الدرعية، وهي منشورة في هذه الكتب، والكتاب القادم هو حياة في تراث مع كتاب وثائق التراث أيضا الذي سوف يصدر بعد ثلاثة أشهر.
 
فلذلك بدأت العلا في عام 1407هـ فنزلنا في مطار العلا، وليس المطار الحالي، بل حاربنا حتى ينشأ المطار الحالي، ونزلنا في العلا في منطقة برية لا يوجد فيها مطار، وكان الملك سلمان يحاور الإخوان في قضية العلا والأنباط، وتطور اللغة، وكان ما يذهب إلى أي مكان إلا ومعه تقرير كامل، وكتب تاريخية، ويجهز ويحضر حتى لا يضعه علماء الآثار في مآزق. فأنا هذه التجربة، وهذا التعلم أصبحت أقرأ وأفهم المواضيع، بدأت وأنا أحترم حقيقة للأثريين وأحترم هذا العلم الكبير، بدأت منذ ذلك الوقت أهتم، وكان مقابلي في هذا الاهتمام هو الدكتور سعد الراشد. هؤلاء من الناس الذين عملوا كنت أتابعهم وكنت أتعاون معهم، وكنا نتعثر مرة، وننجح مرة، وكنا نطرد أحياناً من مواقع، لكن تأصل فيّ هذا التفكير كشخص، ثم الدكتور عبدالرحمن الانصاري هذا العالم الذي عاصرته شخصياً وعاصرت كتبه، ثم الدكتور علي الذي أوصى به الدكتور عبدالرحمن أن ينقذني ويستلم قسم الآثار في عام 2000 فصل الدكتور علي وكان خير من يعمل معنا، ويجب أن ينسب له ولكل زملائه كل هذه النجاحات والقادم.
 
فلذلك هذه الورقة بدأت من التفكير، هل نحن دورنا في الحياة التنقيب عن الآثار؟ هل دورنا أن نخرج قطعاً ونضعها في المتاحف؟  في الواقع هي مخازن مثل ما ذكر الدكتور زاهي حواس بلادنا ممتلئة مخازن الآن، ونسميه متاحف، وما متاحف بها، المتاحف الآن تبني كل ما ترونه الآن إما تحت الإنجاز مع المقاولين أو تحت الترسية، أو تحت التصميم بميزانية موجودة. 
 
يعني لدينا 18 متحفاً وطنياً كبيراً جداً، وقادم مراكز زوار في مواقع التاريخ الإسلامية، فبدأت أفكر ما هو الربط بين كل هذا التاريخ، وهذا التلازم الحضاري، وما نحن عليه اليوم، فمثلا في لقاء لي كان 2010 في جامعة أكسفورد بمركز أكسفورد الإسلامي، كانت محاضرة طلبوها مني عن الجانب الثقافي، فجلست أشتغل على المحاضرة، وبدأت تظهر لي أشياء، مثل الصور الذهنية، حتى إني تساءلت مع الدكتور علي آنذاك، هل تعتقد أن طرق التجارة كانت وسيلة تواصل أثناء تنقيح الكلمة؛ فذهبت إلى أكسفورد في اليوم التالي وفعلا قلت: إننا ننظر الآن نظرة جديدة للقوافل قوافل التجارة التي بنت اقتصاد، وبنت قوة هذا المكان من العالم، حيث التقاطع الحضاري الكبير، الموقع المهم، التاريخي الذي ذكره الدكتور بيتراقيا أمس في هذه الكلمة التاريخية التي ألقاها في حفل الافتتاح أمس أنها تقاطعات فيها هذه الحضارات والقوافل، لكن القوافل أيضاً نقلت الكلام، والدين، والتجربة، ومنها ما في شك الإسلام. فأنا سميتها طرق القوافل هي إنترنت العصر كانت وسيلة التواصل التي لاحقا ترونها في الورقة أنها أيضا كانت وسيلة نقل وتطوير اللغة العربية من خلال نقل الشعر، والقصائد، والمعلقات، وهكذا، هذه كلها افتراضات نطرحها في هذه الورقة ، فإذا سمحتوا لي أقرأ الورقة على عجالة، ثم نطرح الأسئلة، الورقة عرضتها على مجموعة من العلماء الأجلاء وعرضتها على مجموعة من خبراء الآثار ولازلت أطرحها عندما تنشر حتى تكون قابلة للنقض والتمحيص، لأن فيها مواضيع تهمنا وتمسنا، لا يؤخذ بالظن إن هذه الورقة هي ورقة تربط بقصة نشأة الإسلام من المعجزة التاريخية، كأعظم دين نزل للبشرية، فهو خاتم الأديان، وكتاب الله سبحانه وتعالى هو الكتاب المقدس، وأعظم كتاب أنزل للبشرية، فنحن نقول لابد أيضاً أن يكون هذا الكتاب وجد منذ خلق البشرية، فيجب ما تم منذ خلق البشرية، ونحن لا نعلم ما تم منذ خلق البشرية، لكن نحن نقول التاريخ المنظور وغير المنظور بالنسبة لنا أن كل شيء يؤدي إلى لحظة تاريخية عالمية عظيمة بشرية، وهي بزوغ شمس الإسلام، ونزول القرآن الكريم على أرض الجزيرة العربية دعوني أبدأ في قراءة الورقة إذا سمحتم. 

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
 
في محاضرة ألقيتها في مركز أكسفورد للثقافات الإسلامية في عام 1431هـ و1يونيو 2010م، وأيضا محاضرة في عام 2014م وكانت في مؤتمر الجزيرة العربية الخضراء، - وهو موجود على موقع الهيئة الآن - طرحت فكرة مفادها أن الإسلام هو جوهره التوحيد الخالص لله تعالى، هو دين الفطرة الذي أختاره الله سبحانه وتعالى للبشرية، وأن اختيار الجزيرة العربية مهد للإسلام والرسالة الخاتمة التي نزلت على النبي ﷺ ما هي إلا امتداد لذلك التدبير الإلهي، وأن مسار الحضارة في الجزيرة العربية مرتبط بهذا الموضوع الأهم في تاريخها.
 
ولذا فإن الإسلام لم ينزل في أرض فارغة من الحضارات، وأن كل ما وقع على أرض الجزيرة العربية من أحداث وتقاطعات حضارية وإنسانية كانت بمثابة مقدمات وبشائر هيّأت وأظهرت بزوغ شمس الإسلام من هذه الأرض المباركة؛ لذلك العناية بآثار حضارات الإنسانية على أرض الجزيرة العربية هي في نظري من باب العناية بالتاريخ تاريخ الدين الإسلامي العظيم في مكان قدر الله أن يكون مهيئاً عبر مراحل تاريخ وتعاقب الاحتضان لانطلاقة أعظم دين للبشرية جمعا في لحظة تاريخية مقدرة منذ الأزل والله اعلم.
 
هذا الطرح دفعني إلى استقراء تاريخ الجزيرة العربية وعلاقته بدعوة التوحيد من خلال ما هو متاح حتى الآن من معلومات توصل إليها علم الآثار، وبعد تفكير وتأمل وتداول الآراء حيال هذا الموضوع المهم مع نخبة من علماء الشريعة وعلماء الآثار والتاريخ الأفاضل الذين أثروا هذا الموضوع بأفكارهم النيرة وملاحظاتهم حتى جاءت هذه الورقة.
 
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ..﴾ [آل عمران: 19]. وآدم عليه السلام هو أبو البشر والمسلمين منهم، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 28-29]. وجاء في بعض المصادر الإسلامية أن آدم عليه السلام عندما بعثه الله إلى الأرض اجتمع بزوجته حواء قرب مكة، وعلى الرغم مما ذهب إليه كثير من أهل العلم إن اجتماع آدم وحواء قرب مكة رواية وردت في الإسرائيليات، وهناك طبعا نقاش حول الإسرائيليات، فإن هذه الرواية تدل على قدم تلك الأماكن المقدسة، وأنها شهدت بواكير كيانات الأمة الواحدة، ونستشهد بقوله سبحانه وتعالى "إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركة وهدى للعالمين" وحيث يذكر بعض المفسرين: إن إبراهيم عليه السلام عندما أمره الله بالتوجه إلى مكة في القرن الثامن عشر قبل الميلاد قام بإعادة بناء الكعبة، وأن قواعدها كانت مدفونة في ربطة صغيرة في وسط الوادي وأن بناءها كان في زمن سابق لإبراهيم عليه السلام، ويستدلون بذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ...﴾ [البقرة: 127]، أي: أن قواعد البيت كانت أساسات وكانت موجودة من قبل، وهو أول من رفعها على الأساس الذي بنيت عليه الكعبة في زمانه عليه السلام.
 
لقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون الإسلام الذي نزل على محمد ﷺ آخر الأديان وخاتمها، قال تعالى: ﴿ومَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 40]؛ ولكونه خاتم الأنبياء ﷺ فإن الدين الذي جاء به هو دين شامل لعموم البشرية، وعلى مختلف الأزمان، وهذه الحقيقة تدعونا للإجابة على هذين السؤلين. لماذا اختار الله سبحانه وتعالى نزول الإسلام في مكة المكرمة في جزيرة العرب؟ ولماذا وضع الله سبحانه وتعالى أول بيتٍ للعبادة في مكة المكرمة في قلب جزيرة العرب؟
وبين الحدثين أصول وتطاول عمر الإنسان قطعت ذلك ليس مجرد مصادفة، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: "وكل شيء عنده بمقدار"؛ ولعل الله سبحانه وتعالى أراد رسالة الإسلام تكتمل حيث بدأت والله سبحانه وتعالى أعلم.
 
إن الدراسات الأثرية وعصور ما قبل التاريخ في الجزيرة العربية انطلقت متأخرة مقارنة بما وجد من خلال الأبحاث الأثرية في شرق أفريقيا، ومناطق أخرى من العالم، وهي في المملكة العربية السعودية حديثة نسبياً، وعلى الرغم من ذلك فإن نتائج الأبحاث والمسوحات الأثرية التي قامت ويقوم بها قطاع الآثار والمتاحف في الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بالتعاون مع الجامعات السعودية ومن أهمها جامعة الملك سعود وجامعة حائل الآن بالتعامل مع خبراء محليين ودوليين تشير إلى وجود الاستيطان البشري في مواقع عدة في المملكة يعود تاريخ بعضها لفترة العصر الحجري القديم، وهناك مواقع عدة في مكة المكرمة في فترة العصر الحجري القديم والعصر الحجري الحديث للفترات المتعددة، تغطي الفترة الزمنية الممتدة منذ 350 ألف سنة قبل الوقت الحاضر نزولاً إلى 7000 آلاف سنة قبل زمننا هذا.
 
وعلى أية حال، فإن الجزيرة العربية بجميع مناطقها شمالاً جنوباً شرقاً غرباً ووسطاً لم تكن يوماً من الأيام خاوية من الحياة أو خالية من السكان؛ بل إنها أحد أقدم مناطق الاستيطان البشري في العالم القديم، وذلك بشهادة الأدلة الأثرية المستكشفة والموثقة علمياً حتى الآن.
 
إن علم الآثار علم متجدد يكتشف من مكوناته ولذلك فإننا نلاحظ في الآونة الأخيرة أن علماء الآثار المختصين في دراسات علم الإنسان في جميع أنحاء العالم يركزون في أبحاثهم على الجزيرة العربية، وقد قاد هذا التوجه علماء الآثار مشهورين في أوروبا وأمريكا وعلماء من المملكة العربية السعودية ودول الخليج والدول العربية الأخرى إلى دراسة معابر الهجرات الإنسانية الأولى للإنسان القديم عبر الجزيرة العربية قبل انتشاره في بقية أنحاء العالم، وكان العصور على أدلة أثرية تؤكد هذه الحركة المبكرة في تاريخ الإنسان في أرض الجزيرة العربية السعودية في المملكة العربية السعودية بالتحديد. وعدد من دول الخليج العربي واليمن أثر كبير في تحويل قضية عبور الإنسان من تجارب من فرضية وانتشاراً من فرضية إلى حقيقة علمية ثابتة. 
 
ومن جانب آخر فإن البعثات الأثرية المشتركة الدولية العاملة مع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني ويزيد عددها الآن عن 34 فريقاً في المملكة، وبالتعاون مع عدد من المؤسسات العلمية والبحثية السعودية، منها: شركة أرامكو، هيئة المساحة الجيولوجية الجامعات السعودية، مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية في إطار مشروع الجزيرة العربية الخضراء مع جامعة أكسفورد المرموقة (بلي دزرت دوت كوم)، أو الجزيرة الخضراء أثبتت بالأدلة الأثرية والبنتولوجيا أن الجزيرة العربية كانت مروجاً وأنهاراً، وأنها شهدت كما ذكر الدكتور بيتراقيا يوم أمس أكثر من عشرة آلاف بحيرة جافة تم توثيقة بمنطقة الربع الخالي وشمال المملكة حتى الآن، وهناك الآلاف الأخرى.

وأنها شهدت فترات عدة من التصحر والمناخ الرطب، وأنها كانت غنية بالأنهار والبحيرات قبل التصحر الأخير الذي يعود إلى عشرة آلاف سنة قبل الوقت الحاضر، وهذه النتائج الأثرية أصبحت الآن حقائق معترف بها لدى علماء الآثار والمناخ القديم في جميع أنحاء العالم مصدقاً لحديث رسول الأمة ﷺ:" لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ ، حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ ، وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا " [رواه مسلم].
 
وبعد دراسة معابر الهجرات الأولى نشرت مؤخراً دراسة أعتقد العام الماضي قام بها مجموعة من الباحثين من جامعة كورنيل الطبية بالولايات المتحدة الأمريكية، وجرت على جينات السكان الأصليين في الجزيرة العربية، وأثبتت أن السكان الأصليين لقارتي أوروبا وآسيا استوطنوا في أرض الجزيرة العربية قبل أن ينتقلوا منها، أو أنهم منحدرون من سكان الجزيرة العربية.

بالإضافة إلى ذلك فإن المتأمل في التاريخ الحضاري في الجزيرة العربية يدرك أن مسار هذا التاريخ بني على قضية التوحيد منذ أن وضع الله بيته الأول في قلب الجزيرة العربية ومروراً بالأمم البائدة عاد وثمود التي عاشت على أرض الجزيرة العربية وورد ذكرها في القرآن الكريم، وانتهاءً بالإسلام الرسالة الخالدة في المكان نفسه. وكل ما كان بين هذا وذاك وقبله والله اعلم كما في اعتقادنا تهيئة وتحضير لاستقبال أعظم حدث شهده العالم كما قلت، وشهدته الجزيرة العربية على الإطلاق في تاريخها، هو نزول القرآن الكريم على آخر الأنبياء محمد ﷺ، وتكليفه ﷺ برسالة الإسلام العظيمة إلى الناس كافة. 
 
وأن ما قام به أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام في الفترة التاريخية والرسالات السماوية والأديان التي جاءت بعده في منطقة الشرق الأدنى ما هي إلا تجديد لعقيدة توحيد وتمهيد مبكر لبزوغ شمس الإسلام من أرض الجزيرة العربية، وإن كان الفارق الزمني بين إبراهيم عليه السلام محمد صلى الله عليه سلم يناهز 24 قرناً؛ فخلال تلك الفترة ظهرت الممالك العربية على أرض الجزيرة العربية المبكرة مدين، ودوم، وقيدار، والمتوسطة سبع، والأحيان، ومعين، وكندا الأولى، والأنباط، والمتأخرة الغساسة، والمنادرة، وكندا الثانية أشهرها طبعاً.
 
وتشكلت المقومات الرئيسية للجزيرة العربية التي اعتمدت على التجارة عبر منظومة طرق التجارة جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً وطرق الحج التي أيضاً ارتبطت معها طرق التجارة مستفيداً من الموقع الجغرافي المتميز للجزيرة العربية، كما يقول الدكتور علي الغبان هدية موقعها بوصفها نقطة التقاء الحضارات شرق العالم القديم وغربه.
 
إن نشوء هذه الممالك والحضارات، والحراك الاقتصادي المصاحب والقوى الحربية العسكرية التي نشأت لتؤمّن وتحمي التجارة الدولية، هيئة سكان الجزيرة العربية عبر الوقت والعصور ثقافياً، واقتصادياً، وعسكرياً، وسياسياً لحمل الأمانة الكبرى، وهي استلام رسالة الإسلام، ونقلها إلى العالم أجمع. 
 
كما شكل تطور اللغة العربية المتوفقة التي نزل بها القرآن الكريم، ونضوج أساليبها، وصيغها، وامتلاك العرب ناصية البيان في لغاتهم التي بلغوا فيها قمة الفصاحة والبلاغة خطوة رئيسة في مسار التهيئة، فلقد نزل القرآن الكريم في لحظة تاريخية يعتز ويفاخر فيها شعب الجزيرة العربية بلغتهم وتفوقها فكانت لغة ناضجة، وبرزت ملامح ذلك التفوق في الخطابة، وشعر المعلقات التي أجمعوا عليها في مواسم الحج وأسواق العرب، وأهمها سوق عكاظ الذي أعيد إحياؤه في المملكة، هذا السوق الذي عرف بالصيت الذائع والانتشار العريق؛ لتكون اللغة العربية جاذبة لأن يتعلمها ويتداولها الناس، ولكي تنتقل مع قوافل الحج والتجارة، قلنا هذه وسيلة الإنترنت القديمة إلى أصقاع المعمورة والذي ساهم والله اعلم في تهيئتهم تهيئة الناس لاستقبال وفهم لغة القرآن الكريم لحظة نزوله على نبي الأمة.
 
وتتحقق بذلك معجزة القرآن الذي تحدى العرب بتفوقهم اللغوي أن يأتوا بمثله، كما قال تعالى في محكم كتابه: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]
 
كما تطور الخط العربي من خلاصة أقلام عدة كتب بها العرب طوال ألفي سنة قبل الإسلام ليكون الخط العربي قادراً على تدوين القرآن الكريم عند نزوله والدليل على ذلك إن أول آية نزلت في القرآن الكريم تدعوا إلى القراءة والكتابة أو التعلم، حيث قال تعالى في محكم كتابه: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [القلم: 1-5].
 
كما أن دعوة إبراهيم عليه السلام لربه لتوفير الأمن والرخاء لسكان المكان الذي بنيت فيه الكعبة المشرفة، ونزل فيه القرآن الكريم لم يكن خاصة بمكة المكرمة وحدة في غالب الظن والله اعلم؛ وإنما شملت كامل الجزيرة العربية كوحدة جغرافية وبشرية سخرها الله لخدمة الحرمين الشريفين، واستقبال الإسلام والانطلاق به لأرجاء الدنيا.
 
ولم تكن مقصورة على عصره بل ممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال الله في محكم كتابه وعلى لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37].
 
ولذلك فإن دعوة إبراهيم عليه السلام في ظني ربطت عبادة الله والتوحيد والصلاة بين قوسين والتي هي الصلاة عماد الدين شاملاً، وتشمل ذلك في مصطلحات الصلاة كلما يعني ذلك من عبادات، وقيم أخلاقية، وإنسانية سامية، أتى بها دين الإسلام، شمل ذلك بالخير والازدهار هذه الآية الكريمة الدعوة لهم بالخير والازدهار والاستقرار والرفعة في الجزيرة العربية، وأن التزام شعوب هذه الأرض المباركة ولا ننسى طبعا أن الهجرات الإنسانية من أرض الجزيرة العربية شملت الدول الآن التي تسمى دول محاذية لنا، وهي دول مستمرة الدعوة لهم جميعاً. 
 
إن التزام شعوب هذه الأرض المباركة بذلك هو أساس لاستمرار نعم الله عليهم من خير وأمن ورفعة. 
كما أن بناء الكعبة جعل أفئدة من الناس تهوي إلى هذا المكان نتيجة إلى أن الجزيرة العربية وقلبها مكة المكرمة كانت هي موطن الحج مصحوبة بالتجارة، وتبع ذلك النشاط المنظم لرحلات الشتاء والصيف، والنشاط الاقتصادي والثقافي لسوق عكاظ، وغيره من أسواق العرب المشهورة قبل الإسلام.
 
فأصبحت الجزيرة العربية عبر مراحل تاريخها، طبعاً سوق عكاظ استمر حتى بعد الإسلام وزاره الرسول ﷺ قبل وبعد الإسلام فأصبحت الجزيرة العربية عبر مراحل تاريخها قوة اقتصادية، وسياسية، وحضارية، وثقافية مُهيأة لنزول القرآن الكريم، وبزوغ شمس الإسلام في لحظة تاريخية مقدرة، كما قلت وصلت فيها تلك المعطيات ذروتها في مكة المكرمة في مطلع القرن السابع الميلادي تقريباً كأحد أو أهم قوة سياسية عسكرية ثقافية بقيت على أرض الجزيرة العربية في ذلك الوقت.
 
وبعد نزول الإسلام وبعثة الرسول محمد ﷺ توحدت قبائل الجزيرة العربية لتساهم في حمل راية الإسلام إلى بقية شعوب الأرض، وهي أول وحدة شهدتها الجزيرة العربية في تاريخها. فنهض شعب الجزيرة العربية لمساندة نبي الأمة لتوحيد أرجائها ونشر الرسالة، وتأسيس الدولة الإسلامية الكبرى التي تعاقبت داخل الجزيرة العربية وخارجها.
 
فإن الجزيرة العربية شهدت بعد ذلك نشأة العديد من الدويلات والأمارات الصغيرة، وعاشت حالة من الشتات السياسي والاجتماعي كما هو معروف حتى قامت الدولة السعودية المباركة في منتصف القرن الثامن عشر الهجري بتوحيد أجزاء كبيرة منها سياسية وجغرافيا واجتماعياً، وبناء كيان راسخ أساسه الإسلام وخدمة المسلمين وترسيخ القيم العربية والإسلامية السامية وبناء الإسلام وإعمار المكان وتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار والمساهمة في مستقبل الإنسانية جمعا وربط العزة والخير مرة أخرى ربط العزة والخير بالدعوة والتوحيد وخدمة الحرمين الشريفين وإعلاء كلمة الإسلام شعاراً ومنهاجاً لها.
 
وقد تمسك بذلك أئمة الدولة السعودية المؤسسين مواطنها طوال تاريخها الذي امتد قرابة ثلاث مئة عام، وحتى هذا اليوم ولله الحمد، ولقد أكد ذلك الملك الراسخ الملك المؤسس عبدالعزيز رحمه الله وجميع أبنائه ملوك الدولة من بعده بدون استثناء، كما التزم به جميع المواطنين الذين نهضوا لجمع شتات هذه البلاد المباركة وتوحيدها مؤكدين أن خدمة الحرمين الشريفين والإسلام والمسلمين في أعلى مراتب رسالة الدولة ومهمتها الأولى. 
 
وأن وحدة الجزيرة العربية الأولى ورسالة أهلها والدولة التي جمع الله فيها شملهم قد قامت على تلك المبادئ الراسخة، وأن استمرارها وازدهار مربوط بتمسك أهلها بهذه المبادئ، وهذه القيم فهي ليست وحدة سياسية وجغرافية فقط؛ بل هي وحدة قلوب على أرض شكلت قلب الإسلام وقبلة المسلمين، وهكذا فإن السجل الحضاري للجزيرة العربية يؤيد بدوره احتماليته للإنسان بدءاً من أرض الجزيرة العربية أيضاً، كون الله سبحانه وتعالى اختارها لتكون حاضنة لبيتها العتيق وللرسالة الخاتمة، وأعظم كتاب أخرج للناس.
 
ولا شك أن مستقبل الدراسات الميدانية في الجزيرة العربية وعلى وجه الخصوص في المملكة العربية السعودية وما حولها التي تشكل ثلثي مساحتها كفيل بالإجابة على التساؤل الكبير الذي يطرحه الكثير من الناس، وهو هل بدأت حقاً حياة الإنسان في شرق أفريقيا وفقاً لما يقوله علماء الآثار ولماذا؟
 
لقد أتى هذا البحث من منطلق الإسلام الذي جاء لكي يؤكد التوحيد، وهو دين البشرية وخاتم الأديان، وأن الله اختار أرض الجزيرة العربية وشعبها لحمل هذه الرسالة السامية منذ خلق الله البشرية، وأن التعاقب الحضاري والبشري والاقتصادي الكثيف على هذه الأرض المباركة عبر التاريخ يدل على حراك مستمر لتهيئة المكان والإنسان لحمل هذه الرسالة السامية للعالم.
 
وهذا يطرح هذه الورقة مستنيراً بهداية الله سبحانه وتعالى فإنما هي محاولة مخلصة لقراءة أكثر شمولية لأهم قضية تمس الإنسان والجزيرة العربية والمسلمين كافة، فمن المهم في هذا العصر الذي يجد فيه المسلمون أنفسهم في مواجهة مع الحضارات الأخرى أن نعيد التفكير فيمن نحن، وما هو دورنا في الحراك الإنسان المستقبلي منطلقين من قراءة جديدة في تاريخ الإسلام الذي بدأ والله أعلم منذ خلق البشرية، وأن كل ما حدث منذ ذلك الوقت الذي لا يعلمه إلا الله كان تسلسلاً يؤدي إلى بزوغ شمس الهداية والخير من مكة المكرمة في قلب الجزيرة العربية وعلى يدٍ عربيةٍ من خيرة أهلها في فترة زمنية مهمة كانت فيها مكة المكرمة محوراً استراتيجياً حضارياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً وملتقى للقوافل التي جاءت للحج والتجارة، والتي قلت في محاضرة أكسفورد إنها وفرت وسيلة تواصل عالمية، مثل ما تقوم به الشبكة العنكبوتية في وسائل التواصل الاجتماعي.

هذا الواقع شكل كياناً ذا قوة سياسية متنامية، وساعد على انتقال رسالة الإسلام وانتشار القرآن الكريم بلغته العربية الراقية التي تطورت عبر آلاف السنين حتى نزل بها القرآن الكريم إلى أرجاء المعمورة، كل ذلك يؤكد أن الإسلام العظيم لم ينشأ من أرض مفرغة من الحضارات كما قلت، أو المعرفة، أو الأخلاق، أو القيم العربية الأصيلة مصدقا لقول الرسول ﷺ: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" التي كان العرب ينتمون لها ويعتزون بها.
 
في الختام أقول: إننا ننظر إلى المستقبل واثقين بالله تعالى بأن شعب هذه الأرض المباركة قادر بمشيئة الله تعالى على بناء مستقبل زاخر بالخير والازدهار، الأرض التي شهدت أحداث مهمة عبر أطوار التاريخ وتشاهد ذلك اليوم وتقاطعت عليها الحضارات، ما دام هذا الشعب ثابتاً على المبادئ السامية والرسالة التاريخية التي حققت له الخير والأمن والاستقرار.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
 
.+