حفل افتتاح المؤتمر العالمي الأول لعمارة المساجد



كلمة ارتجالية لصاحب السمو الملكي
الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز 
رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني
في حفل افتتاح المؤتمر العالمي الأول لعمارة المساجد
يوم الاثنين 6 ربيع الأول 1438هـ الموافق 5 ديسمبر 2016م

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
صديق العمر، صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز يحفظه الله
معالي مدير الجامعة الشيخ عبداللطيف الفوزان، ومعالي المشايخ والإخوة الأفاضل، وضيوف المؤتمر من كل مكان
أرحب بكم اليوم في هذا المؤتمر العالي الأهمية، ونهنئ أنفسنا  على انعقاد هذا المؤتمر على هذه الأرض المباركة، بلاد الإسلام وبلاد القرآن.
وإذا كان هناك مؤتمر عن المساجد فالأولى أن ينعقد في أرض الإسلام التي انطلقت منها هذه الرسالة السماوية إلى أرجاء العالم.

ونحن من هنا في أرض الحرمين الشريفين، أهم ما نملك كما سمعتم، وقد قال ذلك سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وردد كل قادة هذه الدولة المباركة منذ تأسيسها منذ حوالي 300 عام، ويردد كل مواطن وكل معتمر وزائر، أن أهم ما لدينا اليوم من ثروة هي ثروة الإسلام، وأهم ما لدينا أن نعتني به قبل أن نعتني ببيوتنا وتجارتنا هي بيوت الله سبحانه وتعالى.

ولذلك قد يكون أسمى هدف لهذا المؤتمر هو أن يخرج بنتائج ملموسة ونتائج قابلة للتطبيق في تطوير بناء المساجد وعمارتها، وليس فقط بناؤها شكلاً، بل يجب أن تكون معمورة بنياناً وإنساناً وأن تؤدي رسالتها السماوية حتى يأوي إليها الناس، ويتعبدون الله سبحانه وتعالى ويتلاقون، ويتسامحون إذا كان في أنفسهم شيء على بعضهم البعض، وأن يأتي الأطفال ويلتقون في أجمل مكان وأطيب مكان على وجه الأرض، وهي بيوت الله سبحانه وتعالى.

وأن تكون المساجد بالنسبة لنا جميعاً عمراناً، ومكاناً، ونظافةٌ، وصيانةٌ أفضل وأجمل من البيوت التي نسكنها، قد يكون هذا أحد الأهداف الأساسية.

وأهمية المؤتمر لعمارة المساجد، أرى بكل تأكيد وسمو أخي الأمير سعود اليوم أكد على ذلك عدة مرات أثناء زيارته للمعرض، أهمية أن تكون المساجد تعاصر هذا العصر الذي أصبحت فيه الطاقة مكلفة، وأصبح فيه الناس منشغلين، وأصبحت الأحياء وأهالي الأحياء يأتون إلى المساجد، ويصلون ثم يهرولون إلى تجارتهم وأعمالهم، وأصبح دور المواطن اليوم في المسجد هو دور العابد في المسجد؛ ولكن تقلص هذا الدور مما كان عليه سابقاً وهو دور العناية بالمسجد، والأدوار التي ممكن أن يقوم بها سكان الأحياء، وأبناؤهم، وأطفالهم، ونسائهم، ورجالهم في عنايتهم لبيوت الله سبحانه وتعالى ورعايتهم لها، وتداول ذلك الأمر فيما بينهم، وهو ما نسعى إليه في جائزة الشيخ عبداللطيف الفوزان.

وأنا حقيقة أتشرف بأن تلقيت الدعوة من هذه الجامعة المباركة، ومن أخي الشيخ عبداللطيف الفوزان، والأخ عبدالله وأسرتهم الكريمة، بأن أكون زميلاً لهم لمجلس أمناء الجائزة وشرفوني بأن أكون رئيساً لمجلس الأمناء، ولكن حقيقة كلمة (زميلاً) هي الأبلغ فيما نقوم به في الجائزة.

وهذه الجائزة تحمل عناية المساجد شعاراً لها، ونحن نسعد أيضاً في الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بشراكة رائدة مع وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، ومع معالي وزيرها الشيخ صالح آل الشيخ منذ سنوات طويلة، سبقتها شراكة بين مؤسسة التراث الخيرية ووزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد منذ أكثر من 26 عاماً في انطلاق برنامج العناية بالمساجد التاريخية.

وهذه الدولة المباركة انطلقت عنايتها بالمساجد منذ تأسيسها، وكان المسجد ولايزال هو محور انطلاقة هذه الدولة في كل قرارات ومساراتها ولله الحمد؛ ولعل عناية هذه الدولة بتأمين طرق الحج وتأمين الطرق وأمن الزوار وخدماتهم، وتطوير الحرمين الشريفين، وإعادة بناء وترميم وإحياء المساجد النبوية، والمساجد التاريخية في أرجاء بلادنا العزيزة وخاصة المدينة المنورة ومكة المكرمة؛ لهو دليل ناصع على أن هذه الدولة لم تدخر وسعاً ولله الحمد، ومن فضل الله سبحانه وتعالى المال والجهد في هذا التطوير؛ بل لعلي أقول إن هذه الدولة ولله الحمد ليست فقط دولة منحصرة ومنغلقة على نفسها، ولكن هي أرض مفتوحة عبر التاريخ أن جعلها مسرحاً للتداول الحضاري، وطرق الاقتصاد والتجارة، وجعلها مسرحاً لتوارث أبنائها لتحقيق الأمن على أرضها المباركة، وكيف يحققون التنمية على أرضها المباركة عبر التاريخ السحيق، وعبر التاريخ الحديث.

ولعل هذه الدولة ولله الحمد هي تمثيل لما دعى به أول الرسل، نبي الإسلام إبراهيم عليه السلام، إذ قال ورد في القرآن الكريم دعاءه لله سبحانه وتعالى " ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" "(الآية 37). وهذه هي أول إشارة بأن إقامة الصلاة هي أول ما يقام، ونحن نرى اليوم يأتي الناس إلى هذه البلاد المباركة من حجاج، ومعتمرين، وزوار، وتجار، ولاجئين من كل مكان، والرزق من الثمرات ولله الحمد توالى على هذه الجزيرة العربية، هذا المكان العظيم عبر المواقع العالمية التي توالت عليها الحضارات والممالك. ونحن نستكشف اليوم عبر الآثار والشواهد الحضارات العظيمة، وما خلفته من إرث اقتصادي كبير، وحضارات التي تداولات منذ بدء الإنسانية ومنذ الهجرات الإنسانية الأولى.

فلذلك ما دام أهل هذه البلاد ولله الحمد ملتزمين بإقامة الصلاة والدعوة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعناية ببيوت الله سبحانه وتعالى والعناية بالبلد الحرمين الشريفين، وجعل خدمة الحج والمعتمر من أولويات وأولوية عمل هذه الدولة؛ فإني أبشركم ونبشر أنفسنا جميعاً بأن هذه البلاد محفوظة من الله سبحانه وتعالى، وأن مستقبلها إن شاء الله في يد أمينة في شعبها الذي يؤمن بهذه الرسالة العظيمة، وأنها كما قال سيدي الملك سلمان مسؤولية وليست فقط رسالة.

وأنا هنا اختصاراً للوقت أود أن أقول : أولاً أشكر أخي سمو الأمير سعود بن نايف كأمير للمنطقة ، ولكن حقيقة عبر حياة قضيناها معاً في عنايته الخاصة بالمساجد، وقربه من الناس، وأشكره أيضاً على تبنيه مسجداً الذي رغب من فضل الله سبحانه وتعالى في بنائه هنا وفاءً للأخ الأمير فهد بن سلمان رحمه الله نائب المنطقة الشرقية سابقاً، وسعود هو أخ أصغر لفهد، ونحن الاثنين نهلنا من تجربة فهد رحمه الله، ومن حياته، ونوفيه اليوم من أهم ما يوفى به الإنسان، وهو أن يبنى له مسجد في هذا البلد.

وذلك لأن هذا المسجد، وشكراً لمعالي الأمين، أمين الشرقية الأخ فهد الجبير الصديق القديم في قضايا كثيرة، ومنها قضية التراث العمراني الذي هو أسبق الناس وأول الناس تأكيداً له، أن الأمانة منحت موقع الأرض، وهي أرض مميزة في الدمام على البحر.

أننا اليوم بتوجيهات سمو الأمير سعود سوف نعمل كفريق مع طلبة كلية العمارة الذين سيعلن عنهم اليوم، ومع القسم المتخصص بالطاقة واستخدامات الطاقة إلى أن يخرج المسجد بشل معماري مميز، الدكتور مشاري النعيم رئيس مركز التراث العمراني الوطني وعد أن يخرج به كتحفة معمارية، ولكن أيضاً كنموذج يحتذى به في عمارة المساجد، وصيانتها واستخدامات الطاقة، وإعادة الروحانية لها، وتكلفة البناء.

هذا الأمر قد رفعت فيه قبل سنوات عديدة إلى ما يقرب من 25 سنة، وأتوقع لوزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد وأنا أطالب في ذلك الوقت حتى اليوم بأن تتبنى الوزارة منظومة تصاميم ومنظومة معايير للمساجد حتى يستطيع المواطن أن يبني المسجد، ويقدم للمسجد ما يجب أن يقدمه بأقل قدر من التكاليف، وبأعلى قدر من الترحيب والروحانية والراحة في المكان.

ولذلك أنا استأذن اليوم، ولم أبلغ اليوم أخي الأمير سعود، وأنا أتوقع إنه سيكون داعماً دائماً، وهذه الفكرة تكونت قبل قليل مما رأيته اليوم من هذا الجهد الكبير، أن استأذن أيضاً معالي مدير الجامعة بأن يسمحوا لي بتأسيس كرسي لعمارة المساجد في جامعة الإمام عبدالرحمن الفيصل. وأنا اخترت هذه الجامعة بالتحديد مستذكراً، يمكن لو تسمحوا لي بأخذ بضع دقائق في مذكرات السيرة في مذكرات التراث العمراني، أن نحكي هذه القصة، عندما بدأنا في مؤسسة التراث الخيرية في سنة 1995م – 1415هـ بالكتابة لوزارة التعليم فيما يتعلق بالعمارة والتراث العمراني في التعليم الجامعي، والتهميش الذي حدث للتراث العمراني في الجامعي شيء خطير، وثغرة كبيرة جداً جعلتنا نعيش في حضارات أخرى، وننسى أننا أرض الحضارات، وجعلتنا نعيش في عمارة الآخرين، وننسى أننا نحن ما نبدع في هذه العمارة كما رأينا في هذا الفيلم.

فاستقبل معالي الدكتور خالد العنقري في ذلك الوقت هذا المشروع، تعليم التراث العمراني في التعليم الجامعي بترحيب كبير، وبدأنا نعمل على تقديم الوثاق، ولكن الموضوع أجهض في وقته لأن الجامعات لم تكن مستعدة.

وأنا أبشركم اليوم برعاية معالي وزير التعليم الدكتور أحمد العيسى، وهو مهتم كثير بهذا الموضوع، سوف يعقد قريباً إن شاء الله، وأنا أدعوكم لمؤتمر الذي تقيمه الهيئة لملتقى التراث العمراني الوطني الذي أقيم في الشرقية قبل عدة سنوات، يقام هذا العام في الرياض في شهر أبريل القادم، وسوف نعلن شراكة جديدة مع التعليم العالي فيما يتعلق بالتراث العمراني الوطني، ونظرتنا للمستقبل، كيف هذا التراث يستطيع أن يكون محفزاً للمستقبل.

جامعة الملك فيصل آنذاك ثم جامعة الدمام، ثم الآن ونحن نحتفي بأول مؤتمر بهذه الجامعة بعد أن سميت باسم الإمام عبدالرحمن الفيصل رحمه الله والد مؤسس الملك عبدالعزيز وحقيقة هي أفضل مكان أن يؤسس فيها هذا الكرسي، لأنها الجامعة التي أولاً احتضنت ذلك المقترح في عام 1415هـ وهي الجامعة الوحيدة التي انطلقت باحتضان هذا المؤتمر، وانطلقت في تأصيل التراث العمراني الوطني، ونرى الإبداع اليوم وهو ينظر إلى المستقبل منطلقاً من التراث العمراني الوطني. ثانياً أنها سميت باسم الإمام عبدالرحمن الفيصل ومن يرى ومن يدرس سيرة الإمام عبدالرحمن يرى أن الشواهد كلها تبدو في هذا المؤسس الكبير الملك عبدالعزيز، ابنه الذي استلهم من حياة الإمام عبدالرحمن الفيصل وعنايته بالشريعة وبالدين والتزامه بالأخلاق والقيم العالية وعنايته بالمساجد قولاً وعملاً؛ فلذلك أنا أهنئ هذه الجامعة على هذا الاسم وهي جامعة تستحق وترتقي إن شاء الله إلى هذه المكانة.

في الختام أكرر شكري وتقديري للجميع على حضور للجميع، وخاصة سمو أخي الأمير سعود ففي الأسبوع الماضي كان لديه مهام كبيرة، وكان دائماً كعادته يؤديها بكل هدوء وبكل طمأنينة والحمد لله شهدت هذه المنطقة من المشاريع الكبيرة، نحن نرحب ونحي كل من يتعاون معنا.
وأشكركم جميعاً على حضوركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.