اللقاء العلمي السادس للجمعية السعودية للدارسات الأثرية

  • Play Text to Speech


كلمة صاحب السمو الملكي
الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز 
رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني
في اللقاء العلمي السادس للجمعية السعودية للدارسات الأثرية (المملكة العربية السعودية عبر العصور)
يوم 9 محرم 1438 الموافق 10 اكتوبر 2016

 

 الإخوة والأخوات
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخي معالي مدير الجامعة
أخي العزيز الدكتور محمد
الحضور الكرام

أنا سعيد أن أكون بينكم اليوم في هذه المناسبة المهمة للجميع.
وأود أن أبدأ بحمد لله سبحانه وتعالى، وشكره، ثم الشكر والتقدير لسيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان يحفظه الله، الذي تبنى مشروع خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري، وأيضا هذا المشروع تبناه الملك عبدالله في آخر حياته، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

 
فلذلك لعلي أبدأ بالحديث فيما يتعلق بعلم الآثار والنشاطات المتعلقة بعلم الآثار.
فأقول: إن الفرص تأتي وتذهب، والكل يعرف اليوم أن الفرص عندما تأتي بهذا الحجم، والتكاتف الموجود الآن في قضية الآثار تحت مظلة هذا المشروع، وتحت عدد من العناصر المهمة؛ هذه الفرص يجب ألا تضيع، ودائماً الفرص زمنها قصير، وتركيز الناس على هذه الفرص ومكوناتها قصير، وقد عانى الأثريون من كثير من التقاطعات التي حجبت عنهم بعض المواقع، والتي لم تمكنهم من الانطلاق في أعمالهم.

 
ولكن هذا لا يخفي أبدأ الجهد الهائل والرائع الذي قام به أثريو المملكة العربية السعودية من المواطنين، ومن عمل معهم، حقيقة عندما يقرأ الإنسان ما قام به العلماء السعوديون، من الإخوة والأخوات الذين يعملون في هذا المجال، وما قامت به جامعة الملك سعود الحاضنة الأساس لنشاط الآثار الوطني في السابق ولازالت، هو ينظر أنه كان هناك فرق علمية مميزة، شك ومؤسس هذه الجمعية الدكتور عبدالرحمن الأنصاري جزاه الله خير، فقد كونا جائزة باسمه وإن شاء الله تنطلق هذا العام بكل مكوناتها، والعلماء الذين سعدت بالعمل معهم، مثل: الدكتور سعد الراشد، والدكتور علي الغبان، والدكتور خليل معيقل، والدكتور محمد، والدكتور زيعلي، الدكتور سعيد، وغيرهم ولو نسيت أحد، فلعله يعذرني في ذلك.

 
نحن لدينا اليوم مكونات من هؤلاء العلماء الأجلاء، الذين نتطلع أيضا أن يكون هناك من الأجيال القادمة، ونستثني في الأجيال القادمة أن يكون هناك علماء بهذا المستوى من العلم والعمق، وتعدد المعرفة ومصادرها، وتعدد اللغات.

لذلك هذه المرحلة لو عددت مكوناتها الأساسية سنجد  الآن أنه أصبح فيه قناعة وتحول كبير جدا نحو العناية بالآثار الوطنية وقد تجاوزنا ذلك، وهذه الكلمة أضع تحتها خط، تجاوزنا بشكل كامل تقريبا، فالحمد لله وبشكل أساس كل التداخلات وسوء الفهم والاعتبارات التي كانت تنسب للآثار، وكان ينظر إليها من خلال زاوية واحدة للآثار عن طريق العمل، لا أقول حتى الإقناع عن طريق إيضاح الحقائق، وعن طريق التداول في الحوار والمعلومات، وصلنا والحمد لله إلى نقطة بأن أصبحت الآثار الوطنية في مكانها التي تستحق أن تكون عليه.

فالعمل أن يكون المواطن واعي بها، ومهتم بها، أن ينظر قائد البلاد والحكومة في المملكة إليها نظرة إيجابية، وأيضا العلماء الأجلاء من المفتي وهيئة كبار العلماء جزاهم الله خيراً الآن أصبحوا يهتمون بهذه القضية من منظور وزاوية جديدة والتي فتحنا للتواصل معهم بعد توفيق الله سبحانه وتعالى من خلال ما تعلمناه في هذه المرحلة من الجميع.

إننا ننظر إلى الآثار الوطنية كجزء لامتداد هذه البلاد، ونشوء ومكون هذه البلاد الأساسي وهو الإسلام، والخطأ الذي قد يكون وقعنا فيه سابقاً ليس بفصل الآثار عن الإسلام، وهو كمكون أساسي لنا جميعاً، ولكن بعدم النظر لها مجتمعة كمراحل تاريخية تعاقبت حتى اختار الله سبحانه وتعالى هذا المكان الشامخ الذي تعاقبت عليه هذه الحضارات، وتطور في إنسان الجزيرة العربية؛ ليصبح قادراً على حمل أهم رسالة في التاريخ وأكبر رسالة هي رسالة الإسلام.

كيف ننظر اليوم لقصة نشوء الإسلام في أرض الجزيرة العربية، ولا ننظر إليها وهي مرتبطة بما قاله الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بأن الإسلام هو دين البشرية ؛ فلذلك نحن ننظر إلى أن الإسلام وجد وخلق وبدأ منذ خلق الله البشرية، وهذا الإسلام كان مقرراً والله اعلم أن يخرج من هذه الأرض المباركة التي خلقها الله سبحانه وتعالى أرض الجزيرة العربية، وأن يخرج في فترة ووقت محدد، وعلى يد نبي الأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

فلذلك نحن ننظر بأن كل تداول تاريخي حدث بأرض الجزيرة العربية، سواء ما نعرفه الآن، ونستكشفه الآن من خلال الآثار والدلائل العلمية، أو مما سيكتب إن شاء الله مستقبلاً، أنها كلها كانت تؤدي إلى تهيئة هذه الأرض المباركة أن ينطلق منها أعظم دين للبشرية وخاتم للأديان السماوية.

هذه النظرة المتكاملة هي النظرة التي نحن ننتمي إليها، لا ننتمي نحن إلا أن تنتشر فرق الآثار وتحفر وتجد آثاراً، ولكنها غير مترابطة، وليست لها علاقة بقصة هذه الجزيرة العربية ولا إنسان الجزيرة العربية.

ولذلك أيضا نحن ننظر إن إبراهيم عليه السلام نبي الله ، قد انطلق بأمر من الله سبحانه وتعالى أن ابنِ البيت، وارفع قواعد الكعبة المشرفة، وبين هذا وبين خروج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم آلاف السنين مثل 2400 سنة تقريبا؛ ولذلك كان هناك أيضا فترة تحضير لهذا الضيف الكبير، كانت هناك مرحلة تاريخية، وهذه من ضمن القضايا التي طرحناها للنقاش والحديث، ووجدنا حقيقة قبول كبير جدا من المشايخ الأفاضل والعلماء من أمثالكم، ومن المواطن حتى، ولا أقول المواطن العادي فأنا أكره أن أقول المواطن العادي، ليس هناك شيء اسمه مواطن عادي، ومواطن 5 نجوم، هناك المواطن الواعي الحكيم المتزن الذي بنى هذه الأرض قبل أن نبدأ نحن بتصنيف المواطنين، هذا متعلم وهذا غير متعلم، وهذا فاهم وهذا غير فاهم.

لفد وجدنا قبولاَ كبيراً لهذه النقطة، بأن فترة التحضير منذ أن بدأ الخليل عليه السلام بالدعوة إلى الحج في مكة المكرمة، وكان هناك تحضير كبير في لغة القرآن لم تكن حاضرة في وقت إبراهيم عليه السلام، ولم يكن الناس يفهمون ويتكلمون هذه اللغة العربية المميزة التي نزل بها القرآن الكريم؛ فالبشر أيضا يحتاجون لتهيئة، فأنتم وأجدادكم وأجداد أجدادكم، وأنا لا أتكلم فقط اليوم عن سكان المملكة العربية السعودية، أنا أتكلم عن هذا الانتشار الذي حصل في أرض الجزيرة العربية في هذه الفترة المحددة بين إبراهيم عليه السلام وبين محمد صلى الله عليه وسلم، التي خرج منها أبناء الجزيرة العربية وانتشروا في محيطنا القريب والبعيد، أننا أخذنا وقتاً حتى يُهيئ هذا الإنسان، يهيئ لقيام واستقبال هذا الدين ولنشر هذا الدين.

من الذي انطلق برسالة الإسلام، ومن الذي خرج بها من أرض الجزيرة العربية، وقامت الأمم المحيطة، وخرج منها حتى وصل إلى أوروبا، ووصل حتى إلى شرق آسيا، هم أجداد الموجودين اليوم من أرض الجزيرة العربية، وخرجوا من صلبها؛ ولذلك من يأتي اليوم ويقول: إن أبناء الجزيرة العربية كانوا سواقي إبل، أو يقول: إنهم لم يكن لديهم حضارة، هذا نوع من الجهل حقيقة، الجهل العميق ليس الجهل المعتاد أو البسيط.

لذلك اليوم هذه الحضارات المتراكمة والشواهد الأثرية التي تخرج من أرض الجزيرة العربية كلها تؤدي لأن هناك فترة قوية جداً للتحضير لخروج واستقرار هذا الضيف الكبير الإسلام العظيم حتى يخرج من أرض محددة في لحظة تاريخية محددة. أن قامت هذه الممالك واندثرت وأن قامت هذه الحضارات وانتشرت وتركز ثقل السياسي والاقتصادي والثقافي في مكة الكرمة، وكانت طرق الحج ما في هي دليل أساسي على طرق الحج والتجارة لتقوية الاقتصاد.

يعني لا يمكن اليوم أن تنتشر رسالة بهذا الحجم، وليس خلفها اقتصاد أو خلفها ناس جاهزين ومؤهلين، أناس أمّنوا أرض هذه الجزيرة العربية، وأمّنوا التجارة فيها، كانوا يتاجرون ويأمنون التجارة، لم يكن كما يقولون سواق إبل، كما يقال، ولكن كانوا هم الذين يجلبون التجارة ويتاجرون ويتحركون مع هذه القوافل، ويحمونها في طرق الحج.

فالأمن الذي نشهده اليوم ولله الحمد في بلادنا هو أيضا تأصل فينا كمواطنين وراثياً، حتى أصبحنا قادرين على الوقوف وتحقيق الأمن، هذا شيء وراثي. وأيضا تأصل فينا أننا نحن نعرف أننا نتعامل مع الاقتصاد وكيف نتاجر، وكيف نتحاور مع العالم والدليل اليوم المستثمرين في بلادنا والمواطنين في بلادنا يتاجرون في كل مكان، ويستثمرون في كل مكان.

فلذلك نحن اليوم لم ننشئ كما قلت في لقاء في الكويت قبل عدة أيام عن موضوع الهوية، لم نعش على ناقلة بترول، وليس هدفنا الأول هو ماكينة الصراف، واليوم الظروف والتحديات التي تحيط بالجميع هي ظروف دقيقة جدا. وأنا باعتقادي والله اعلم أننا كلما عرفنا من نحن، وكل ما عرفنا من هي هذه الأرض وشعرنا بوقوفنا على هذه الأرض الشامخة كلما زادت مواجهتنا على هذه التحديات. لا يمكن أن تواجه التحديات بحملة إعلامية أو أن تواجهها حتى عسكرياً، التحديات المواطن نفسه، لابد أن يكون مهيئاً وخبيراً، ومن هو؟ ومن أين أتى؟ ولماذا يتمسك بهذه الأرض الكريمة؟  وهذا هو المكسب العظيم.

من الذي تحصل له المكرمة الإلهية الكبيرة أن خلق، أو ولد على أرض الإسلام، وانظر إلى نفسك، وإلى جارك، وإلى القريب والبعيد، ستجد الكثير منهم لا يشعر ولا يحس بهذا المكان الذي يقف عليه، وما حدث على هذا المكان من معجزات إنسانية، ولا أقول الإلهية أقول إنسانية في تحقيق البناء وتحقيق هذه الحضارات الكبيرة، وعلم الآثار هو أحد وأهم الوسائل والعلوم التي تعطينا هذه النافذة الكبيرة على هذا الاستكشاف.

فلذلك الفرصة مهيئة بأن اليوم الجميع قد انتظموا خلف هذا المنهج، ولم يعد هناك ذاك التهيب، بأن هذا صح أو هذا خطأ، الحمد لله اليوم علماء الآثار وغيرهم مسلمين مؤمنين، البعض منهم يمكن من علماء شريعة، وعندهم حس ديني ووطني كبير، فهذه الآثار في أيد أمينة ولله الحمد .

ثانياً: هناك قيادة تعاقبت على هذه البلاد، وأنا أقول بدءاً من الملك عبدالعزيز رحمه الله مؤسس هذه البلاد، الملك عبدالعزيز رحمه الله انطلق بأن وجه الناس الذين تستكشف، ومنهم الذين خرجوا واستكشفوا الآثار في الجزيرة العربية؛ لأنه كان يعي، ونشاهده في الكتب، يعي أهمية ذلك، وكان يتكلم دائماً عن الأرض التي يقف عليها، يتكلم عن الإسلام كفضل هذه الأرض من الله سبحانه وتعالى وأهلها، يتكلم عن ما قبل الإسلام.

وتواصل ذلك حتى هذا اليوم، الذي نرى فيه الملك سلمان يحفظه الله، وهو رجل تاريخ معروف ، وهو رجل حضارة، وهو دقيق في هذه الأمور، وهو الذي يدفعنا دفعاً نحو الإنجاز والاستكشاف، ومن ذلك برنامج خادم الحرمين للعناية بالتراث الحضاري فقد أقره بالكامل الآن في المرحلة الأولى في برنامج التحول، وأقر له ميزانية كبيرة حوالي 3 مليار و700 مليون.

ثالثاً: ما نراه اليوم موجوداً حيث هذا التكاتف في الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، فمجلس إدارتها فيه 13 مؤسسة حكومية مهمة كلها مؤثرة، منها: البلديات فقد كنا نشتكي منها في السابق في تدمير الآثار ومواقع التراث، والوزارات المعنية الأخرى، وكذلك اتفاقيتنا مع جامعة الملك سعود الجامعة الأم والجامعات الأخرى، اتفاقياتنا مع البلديات المحلية في أنحاء المملكة البث الإعلامي الكبير، مشروع خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري وهو موجود على موقع الهيئة (scth.gov.sa)، لكم أن تنظروا في هذا المشروع، لأن هذا المشروع هو التحدي القائم، هناك عشرات المشاريع الجديدة التي صممت وجاهزة للطرح، هناك مواقع للتراث الحضاري الوطني كثيرة، والآن تأتي للترميم كما بدأنا فيها من قبل.

هذه المرحلة مختلفة؛ لأنها مرحلة تم فيها وضع ختم على هذا البرنامج، والانطلاق بهذا البرنامج؛ لذلك نحن نحتاج هذه الجمعية، ونحن نريد أن ندعم ونتعاون مع هذه الجمعية. وأنا اعتقد أننا نحن مقصرين؛ لذلك سوف نجلس أنا والدكتور محمد خلال هذه الأيام نريد أن نتفق مع الجمعية، وأن تكون بيت خبرة بالنسبة لنا، ونريد الجمعية أن تكون ممثلة لدينا في اللجنة الاستشارية لمشروع خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري، ونريد أن نوقع مع الجمعية عقداً لتوفير الخبرات إلى آخره وكذا، حتى أيضا ندعم هذه الجمعية أن تتقوى ونريد هذه الجمعية بالذات أنها تكون حاضرة معنا في اللجنة الإشرافية التي تكرم الدكتور بدران ودعانا إليها المشرفة على كلية السياحة والآثار.

 
أنا أقول إنه أكبر تحدٍ بالنسبة لنا سوف يكون الجيل القادم من الأثريين والأثريات وهو من أكبر التحديات، وليس فقط الذي تخرّج، ويطلب أين وظيفتي؟ ولكن الذين يقومون بالأعمال وبنفس طريقة التعلم التي قام بها الأوائل ممن سابقهم.

قريبا والجامعة تعلم أننا نعد العدة الآن في الربع الأول من العادم القادم لملتقى الآثار الوطنية، وسوف نعد وأنا أتمنى أن الجامعة تكون مجموعة من أعضاء الجمعية لمساعدتنا في تنظيم المعرض، وسوف يكون معرضاً كبيراً، فقد قال لي سيدي خادم الحرمين الشريفين أنه يرغب أن يحضر المعرض، لأنه هو يستذكر قصص التي شارك فيها، سوف يكون معرض لاسترجاع الصور التاريخية، والفِرق التي كانت تعمل في المواقع، وقصص لم تروى بعد، نعد كتاب هناك أيضا كتاب كبير جدا عن تاريخ علم الآثار في المملكة العربية السعودية، والناس الذين عملوا وصورهم في الميدان، وكل هذه مهمة للأجيال القادمة. أنا لا أريد أن تخرج من باب الجامعة تستلم وظيفة، أنا أريدك أن تخرج من باب الجامعة تحفر بحفرة، وتعمل، وتتشبع بتراب بلادك وتستكشف.

أنا من أسعد الأوقات بالنسبة لي عندما أذهب أزور فرق التنقيب التي يسمح لنا الدكتور علي لي بأن أزروها بعض الأحيان، وأدخل في تلك الحفر العميقة، وحقيقة أشعر بهذا الثقل في المسؤولية.

نريد الجامعة اليوم أنها تكون معنا في ذلك، أن تكون معنا شريكاً في تنظيم هذه الفاعلية الضخمة، نريد الأوائل الذين بدؤوا في الآثار من الذين هم على قيد الحياة وغيرهم من الذين لهم أبناء، ولهم شركاء الذين ينقلون قصتهم إنهم يكونون معنا في المحاضرات والمقابلات التلفزيونية والقصص.

ولذلك أقول: إننا اليوم في مشروع خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري؛ بالإضافة إلى ما تقوم به الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني من أشياء أخرى تصب في مجال التراث الحضاري، ومجال السياحة الوطنية متزامنة اليوم، فأصبحت مترابطة ومتوائمة مع مواقع الآثار وغيرها.

أقول مرة أخرى: إن موضوع الهوية بالنسبة لنا ليست قضية إعلام، إنه والله نحن هويتنا كذا، أو يأتينا يوم وطني ونخرج بالعلم ثم يختفي مثل أشياء كثيرة، اليوم الهوية هي جزء من تأسيس وتعزيز المواطنة، والمواطنة بالنسبة لي هي أهم شيء من اسمه الوطنية، المواطنة المرحلة الأولى الأساسية لتكوين الشعور بالوطنية، ممارسة المواطنة الحقة بكل مقاييسها.

اليوم موضوع الهوية أصبح موضوع أساسي، وليست الهوية المنكفئ بل الهوية المنفتحة، نحن اليوم أقدر أمة على الانفتاح، ونقول دائماً إن التقوقع لم يكن سمة الإسلام، ولا المسلمين، ولا سكان الجزيرة العربية، التقوقع جاءنا في فترة لاحقة. ولكن نحن أقدر ناس على أن نثري هذا الحراك الكبير وأقدر ناس على أنه يساهم في فتح مسارات إنسانية ومسارات عظيمة في مستقبل الإنسانية التي هي اليوم تشهد هذه الانحصارات، وتشهد هذه الاضطرابات الكبيرة. إذا عرفنا من نحن وعلى أي أرض نقف ومكانتنا بين الأمم على مستوى التاريخ ومكانتنا على مستوى الإسلام؛ بهذه الساعة نستطيع في هذا الوقت المضطرب أننا نستطيع أن نساهم في بناء مستقبل الإنسانية.

واليوم بالنسبة لنا ليس هو مستقبل بلادنا، ومستقبل دول أخرى، اليوم مستقبل الإنسان والإنسانية في جميع أنحاء الدنيا مترابط، أنا صار لي فرصة بعد توفيق الله سبحانه وتعالى وأنا لم أكن أحسن شخص، أو أفضل شخص، فقد درت الكرة الأرضية من الفضاء ورأيت صغر حجمها ورأيت المكان المنعزل والغير مؤهل التي تعيش فيه الكرة الأرضية، وأننا كلنا نعيش في هذا المكان، ويأتي بعض الأحيان من يتكلم وكأنه يعيش في كوكب والعالم الإسلامي يعيش في كوكب آخر.

اليوم جاء عصر الانفتاح الفكري، وعصر الاندماج الإنساني، وعصر التداول العلمي والاقتصادي، وفي هذا الوقت المضطرب نحن يجب أن نكون جاهزين وأقدر من يقوم بالمساهمة بالبناء في هذا المستقبل الكبير.

في الختام أعود إلى النقطة الأولى أننا نؤمل كثيراً من هذه الجمعية، ومن هذه الجامعة، ومن هذه الجامعات، مثل جامعة حائل والدكتور خليل وزملائهم أن يتساعدوا في بناء وبسرعة الأجيال الجديدة، ليس فقط من الأثريين، لكن من الناس الذين يستطيعون أن يساعدوا في إدارة المتاحف وإدارة المواقع الأثرية، وتعليمهم يكون من التعليم الجديد، تعليم علم الآثار المتخصص.

ونحن مستعجلين، ولا نريد أن نخفق، حتى نكوّن أناس يديرون متاحفنا، مثل ما تعمل الدول التي بجوارنا، يديرون متاحفنا، ومواقعنا، ويديرون كل شيء، فقط معنا واحد لابس الزي السعودي معهم، أنا لا أقبل ذلك ولا أحد يقبل ذلك؛ بل بالعكس نحن وضعنا شروطاً أن المتخرج من كلية الآثار لازم ينزل الموقع، وأن يعمل وبنفس الأجرة التي يتقاضها الإنسان الآخر الذي يعمل معه من باكستان، أو أي دولة أخرى، وليس هناك فرق بين وبينه، ويعمل ويجتهد، ويعمل في الجو الحار، وهذا ما نطلبه.

وهذه الفرصة، وهذه المرحلة لن تتكرر مرة أخرى، أريد أن أقول وأكرر هذه الفرصة التاريخية مع وجود هذه الهيئة والموجودين فيها كلهم ووجود التضامن الموجود الآن بين كل أجهزة الدولة والجامعات، ووجود الملك سلمان يحفظه الله الذي هو فعلا يؤمن بهذه القضية إيماناً عميقاً لن تتكرر مرة أخرى.

فذلك فرصة تاريخية، ونحتاج أن تنهض جامعاتنا، والمراكز العلمية نهضة كبيرة جداً. أنا أطلب من الجامعة اليوم أنها تقوم بالمراجعة بالنسبة لنا، ودراسة معمقة لمشروع خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري دراسة مستقلة، وتقدم الجامعة مع جامعة حائل مع جامعة جازان مع كل الجامعات التي توجد فيها كليات الآثار، تقدم لنا نظرة لما يجب أن يضاف إلى ذلك على أساس نضمنه في المرحلة القادمة، وما يجب أن نعطيه أولوية. ولكن الآن جاء القرار تبنيه من الدولة إدارياً ومالياً ونحن نتطلع إلى المرحلة القادمة، ونتطلع إلى الدكتور محمد أن يقدم مع زملائه مسودة اتفاقية تعطي هذه الجمعية دوراً كبيراً فيما نقوم به الآن، يعني متضامن كشريك مشارك وفريق متكامل,

وأتمنى أن نبدأ فعلاً في تخرج الأجيال من الشباب الأخوة والأخوات، وأن نخرجهم إلى المواقع، ليس للتنقيب فقط لكن أن يبدؤوا وأن يحسوا بهذه المهمة الجسيمة الكبيرة، وأن يتعاملوا معها ومعنا في هذا المسار، والخير قادم بإذن الله تعالى، وأشكركم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

.+