ورشة العناية بالمساجد التاريخية في المدينة المنورة

  • Play Text to Speech


كلمة صاحب السمو الملكي
الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز 
رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني
في ورشة العناية بالمساجد التاريخية في المدينة المنورة
يوم الأحد 9 محرم 1438هـ الموافق 10 اكتوبر 2016م
 
 
 
نحن اليوم نلتقي لأجل العناية بالمسجد، فالمسجد له أولوية في حياتنا، وأيضاً نكتفي أثر من سابقونا في تأسيس هذه الدولة المباركة من أجدادنا وأجداد الجميع، فقد جعلوا محور هذه الدولة الأساس هو هو التئام شمل الناس على لا إله إلا الله محمد رسول الله. والعناية بالمساجد تأتي في مقدمة وأولويات عناية الدولة، وعناية مواطني هذه الدولة ولله الحمد.
 
ولذلك ازدهرت هذه الدولة والحمد لله ونهضت مرتين حتى اجتمع الشمل المبارك في هذه الدولة السعودية الحديثة، واستمرت رسالة هذه الدولة ولم تتغير ولن تتغير؛ حيث إنها دعوة إبراهيم عليه السلام الواردة في القرآن الكريم عندما دعا عليه السلام في كلمات التي وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى:  ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون﴾ (إبراهيم‏:37)‏.
 
فلذلك نحن عندما يناقش ويجادل أحد في هذه الدولة المباركة، ويرى ما فيها اليوم من استقرار وازدهار، وجمع الشمل، وأمن ورخاء؛ إنما لابد أن يعود لهذه الدعوة المباركة لهذه الجزيرة العربية وسكانها الذين تشرفوا فيما بعد بحمل هذه الرسالة العظيمة، وهو ربط العبادة والصلاة بالخير والازدهار، وأن تجعل أفئدة الناس تؤوي إليهم وهذا ما نراه اليوم في الحج والعمل وفي كل أمر خير يأتون لهذه البلاد المباركة وهي يجتمع شملهم عليها.

فلذلك لا انفصام اليوم بين طاعة الله سبحانه وتعالى والالتزام بهذا الدين العظيم كأساس، وكمكون، وكمستقبل لنا في هذه الأرض المباركة. ولم يكن ولله الحمد هذا الدين المبارك في يوم من الأيام الذي نشأنا عليه جميعاً واستمرينا عليه ونستمر عليه بإذن الله عائقاً أبداً نحو التطور، والإبداع، والانفتاح، ونحو تأسيس العلاقات الدولية، ونحو الازدهار، ونحو المكانة التي نعيش فيها اليوم ولله الحمد.

فالإسلام كله خير علينا والحمد لله، والله سبحانه وتعالى قدر أن ينطلق هذا الدين العظيم، وأن يخرج وهو دين البشرية والله اعلم منذ خلق البشرية؛ فلذلك خروج الإسلام من هذه الأرض المباركة، والله اعلم قد تقرر وقد تقدر منذ خلق البشرية، وكل ما حدث على هذه الأرض المباركة كان تهيئة لخروج هذا الدين العظيم، واستقبالاً لهذا الضيف الكبير الذي نشأ من أرض الجزيرة العربية وتهيئة لمواطني هذه الجزيرة العربية، وتهيئتهم لأن ينطلقوا ويحملوا رسالة الإسلام إلى العالم أجمع.

لا يعقل أن يقول قائل إن الإسلام خرج من أرض قاحلة أرض لا يوجد فيها ثقافة، ولا اقتصاد، ولا أخلاق؛ ولا يوجد فيها شعب وأمة يستطيعون حمل المسؤولية؛ بل الله سبحانه وتعالى اختار مكة المكرمة في قلب الجزيرة العربية أن ينطلق منها هذا الدين العظيم، ليكون خاتم الأديان، ولله الحمد هذه الأمة التي انتشر أهلها الآن في المناطق المحيطة وغيرها، أن تكون تحمل أعلى وأعظم رسالة في تاريخ البشرية.

فلذلك اليوم نحن لم يبدأ هذا البرنامج لا بشخص كشخصي المتواضع، ولم يبدأ بحقبة زمنية محدودة، وإنما بدأ اكتفاءً بسنة رسولنا صلى الله عليه وسلم قبل كل شيء، ثم بمنهج هذه الدولة المباركة التي أول ما قامت به في كل مكان، وعند نشأتها حتى في الدرعية التاريخية وقبل ذلك، أنها بدأت بتشييد المساجد، وتبني طلبة العلم منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى، فكانت عبارة عن خلية علم وتعلم، وتقدم وازدهار ثم استمرت الدولة على ذلك.

وفي عهد الدولة السعودية عهد المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله والمؤسسين الذين انطلقوا معهم لتأسيس هذه الدولة كان همّ الدولة الأولى هو استقرار الإنسان في حياته واقتصاده ودينه قبل كل شيء.

فلذلك أقيمت المساجد في الهجر والقرى وفي كل مكان وانتشر هذا الدين السمح في كل مكان، واستمرت الدولة على ذلك ولله الحمد.

فيما يتعلق بترميم المساجد التاريخية لنا أمثلة بدأت منذ عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله، وعهود ملوك المملكة العربية السعودية رحم الله من رحل منهم، وفي المدينة المنورة بالذات شواهد المدينة المنورة في الترميم الأول للدولة السعودية الأولى سواء في المسجد النبوي الشريف، أو المساجد الأخرى، ثم ما تم بعد ذلك من مشاريع، ثم عهد الملك فهد رحمه الله الذي تبنى ترميم وإعادة الحياة، في المساجد الثلاثة المشهورة، عدا مسجد قباء فالصلاة فيه تعادل عمرة.

ونحن اليوم نرى هذا الأثر في تبني ولي الأمر لترميم المساجد التاريخية، وإحيائها، وإقامة الصلاة فيها، فنحن نقتفي اليوم أثر من سبق.

والملك سلمان يحفظه الله رجل في سيرته وحياته كلها، فهو رجل مواقفه معروفة ومشهودة وثابتة؛ فيما يتعلق برسالة الإسلام، وهذه الدولة ومستقبلها، وفيما يتعلق بمكانة المسجد وله يحفظه الله شواهد كثيرة في المملكة، فكل ما بدأ مشروع ترميم اهتم به واعتنى به، سواء في وسط مدينة الرياض، المركز التاريخي وغيره. فنجد المساجد التاريخية تحظى بالاهتمام الأول، وإعادة ترميمها.

فكل ما بدأ مشروع ترميم مثل: الدرعية التاريخية ووادي الحنفية، والأربعين مسجد التي وجه يحفظه الله في العناية بها، نجده في شواهد الترميم، وكلما انطلق مشروع للترميم، مثل: جدة التاريخية التي زارها يحفظه الله، ووجه بأن يتبنى أحد مساجدها.

واليوم أود أن أشعر الجميع إني كنت في معيته يحفظه الله مساء أمس، وتحدثنا عن موضوع ذهابي إلى المدينة المنورة، وسبقني بأن قال أريد أن أشارك معكم، ويتبنى أحد مساجدها، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى، نحن اليوم فقط وكلاء في هذا الأمر، وليس لنا من فضل في شيء. أتمنى بعد فضل الله سبحانه وتعالى ويكون لي بركة في ذلك من مجموعة من المساجد التاريخية في المدينة المنورة إن شاءالله. وقد أحببت أن أعلن ذلك اليوم.

وسمعت أيضاً بمبادرة سمو الأمير فيصل، مبادرات مجموعة من أهل الخير، كما أن الشيخ عبدالرحمن جزاه الله خير، قال: نحن أيضا نكتفي أثر الخيرين، ونكتفي منهم إن شاءالله بأن الرئاسة سوف تتبنى ترميم أحد المساجد القريبة من هيئة الرئاسة، وأوكلت هيئة السياحة والتراث الوطني مهمة الانطلاق في ذلك وتهيئة المكان.

فلذلك أن أدعو المواطنين باسم قائد الدولة الملك سلمان ولي الأمر، والرجل الذي وثقنا فيه في أمور ديننا وحياتنا أن يبادر الجميع، وهذه الفرصة التاريخية أن يتبنى الإنسان كما ذكر الشيخ الأخ الصديق صالح المغامسي جزاه الله خير، ومن سبقه طبعا، حيث جاء في الحديث الشريف: أن من بنى لله  بيتاً بنى الله له بيتاً في الجنة؛ ولكن هذه فرصة في المدينة المنورة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فاليوم من أغدق الله عليه بالخير في هذه البلاد، وهذا الخير لم يتدفق ولم يمكنّا الله سبحانه وتعالى منه إلا بفضل منه وكرم، وغيرنا عنده خير، وعنده بترول، وعنده خيرات كثيرة، ولكنها اندثرت.

فقد مكن الله سبحانه وتعالى للناس أن يعيشوا في رغد العيش، وأن يتمكنوا من تعزيز حياتهم واستقرارهم وجمع شملهم وما ذلك إلا أننا آمنا والتزمنا، وأيقنا، ولله الحمد برسالة الإسلام، والعناية بالمساجد، والعبادات، وأن نكون مستمرين على ذلك، والخير مقبل بإذن الله.

لذلك أنا أدعو الجميع، وأن يسمع الموجود اليوم وغير الموجود أن يبادر بالتواصل مع إمارة المنطقة، مع مكاتب الهيئة المنتشرة في جميع مناطق المملكة بأن يبادروا لمعرفة هذا البرنامج، ويتبنوا هذه المشاريع المباركة.

الآن وصلت إحصاءاتنا الأولية في قاعدة المعلومات لعدد حوالي 1000 مسجد تاريخي، وقد جدنا الكثير منها قد اندثر، ونحن بلد المساجد، وأهل المساجد فنجد المسجد قد أهمل، ووجدناه في وضع لا يمكن أن يتقبله، أو يتحمله إنسان. وإذا اعتنى الإنسان ببيته قبل أن يعتني بالمسجد لا يكون فيه صلاح في نفسه، المسجد أولاً ثم بيتك ثانياً. تأتي وتنظر في واقع الأسرة تجد بيتها جميل ونظيف ومنظم، وتأتي إلى المسجد القريب من البيت وتجد فيه من القصور لا قدر الله.

فلذلك نحن اليوم رسالتنا هي أن المساجد التاريخية - كما قال الإخوان الذين سابقوني - ليست مشاريع ترميم فقط، وإنما هي مشاريع إعادة الحياة للمسجد، وإعادة دور المسجد، وأيضا القصة التاريخية التي تحكيها هذه المساجد، كما قال فضيلة معالي الشيخ المنيع في زيارته لشقراء: إن القصة التاريخية للمسجد هي المحور الذي انطلق منه المؤسسون الأوائل في بناء هذه الوحدة الوطنية.

الناس كانت تجتمع في المساجد، وتجتمع على الخير، وتنطلق في العمل على توحيد بلادها؛ ولذلك لا يمكن أن يلغى دور القرى التاريخية، والمساجد التاريخية، ودورها الأساس أننا نجتمع دائما على العبادة والخير في هذه المساجد.

فلذلك احتراماً وتقديراً لهذا الدور العظيم ولهذه البيوت بيوت الله سبحانه وتعالى ودورها العظيم في وحدتنا الوطنية، لابد أن تعود إليها الحياة حتى يراها الأجيال من أبنائنا وأحفادنا، وكيف كان المسجد هو المحور الأساس لهذه الوحدة المباركة التي ننعم بها بخيرها جميعاً ولله الحمد.

أشكر الجميع على الحضور
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
.+