ندوة تعزيز الهوية الوطنية الخليجية بالكويت



 
كلمة صاحب السمو الملكي
الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز
رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني
في ندوة تعزيز الهوية الوطنية الخليجية بالكويت
يوم الاثنين 18 ذو ال​حجة 1437 هـ الموافق 19 سبتمبر ٢٠١٦
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صاحب السمو الصديق الشيخ سلمان صباح السالم الحمود الصباح وزير الإعلام ووزير الدولة لشؤون الشباب، والإخوة الحضور الكرام.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
تشرفت بالدعوة الكريمة لحضور هذه الندوة المباركة، وهذه الندوة تأتي في وقت يُعدّ من أهم الأوقات، ومن أخطرها على منطقتنا. ولقد سعدت أيضا بما سمعت من أخي سمو الشيخ سلمان، وبما قرأته في بعض المطبوعات بأن القضية ليست قضية البحث عن الهوية، والتي تتكرر دائماً؛ فقد أشبعنا ذلك بحثاً في السنوات الطويلة الماضية، ونحن الذين نملك كل المقومات التي تجعل منا هوية موحدة، ومشتركة، وهوية واقفة وشامخة.
 
إن ما غُيّب حقيقة في اعتقادي، وأنا أحببت اليوم أني لا أقرأ ورقة مكتوبة مع إنها جاهزة، حتى أدخل في نقاط وقضايا أفتح بها بعض المواضيع التي يمكن أن يكون بعضها محاور لاستكمال النقاش، وبعض منها متصل بالمملكة العربية السعودية حيث أصبحت اليوم محوراً أساسياً لبرامج، ولتوجهات تبنّاها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز يحفظه الله، وهو حقيقة قد عاش تاريخ هذه القضية المهمة، وقد عشت معها، وعاش معه كثير من الناس، وهو مهتم بهذه القضية.
 
إنها قضية التراث الحضاري لهذه المنطقة، وقضية التعريف، وقضية الأرض التي نقف عليها، وقضية كيف نجعل من القطاعات الاقتصادية الجديدة، مثل: قطاع السياحة، والذي اليوم يصنف في المملكة العربية السعودية ضمن برنامج التحول 2030 أحد أهم القطاعات التي تهتم بها الدولة، وسوف تدعمها، وأول القطاعات المنتجة لفرص العمل.
 
ولكن الجانب الآخر من قضية السياحة؛ ولعلي أدخل في صلب هذا الموضوع، هو أن السياحة بالنسبة لنا قطاع اقتصادي ضخم جدا في المملكة العربية السعودية، وفي دول الخليج؛ ولكنها أيضا قطاع خدمات منتج، والمملكة العربية السعودية اليوم قريباً ستكون مقبلة على إدارة حوالي 500 ألف غرفة فندقية، ومشاريع ضخمة لتطوير الوجهات السياحية والثقافية، وعلى تطوير كبير جداً لمنظومات من الفعاليات، ومنظومات من البرامج السنوية التي تصب جميعها في إعادة تأكيد مكانة هذه البلاد؛ وبالتالي تأصيل هويتها الدينية والحضارية والجغرافية.
 
إننا في أحد بلادنا جميعاً، الجزيرة العربية ودول الخليج، التي نجتمع حولها اليوم، فنحن نقول اليوم: إننا لا نحتاج شيئاً بقدر ما نحتاج أن نفهم قضية الهوية فقط، وهي قضية واضحة للعيان، ومفهومة، لكننا نكون أكثر وعياً لو ركزنا على أن نعرف ونؤكد من نحن.
 
أنا أتذكر، ومن عاش من جيلنا، وكنا في المدارس في ذلك الوقت جيل الشباب الصغير، كنا في بلادنا بالتحديد كنا نسمى بالرجعيين، لعل الدكتور الرميحي يتذكر ذلك، وهو من أبرز الشخصيات على مستوى هذا العالم العربي الذي كافح، وكتب، وفكر في هذه القضايا أكثر من غيره؛ فنحن نعيش اليوم في كنفه مدرسة، وأنا أخجل أن أتكلم قبل أن يتكلم الدكتور الرميحي؛ فهذه القضية قضية واضحة.

واليوم نحن عرفنا أهمية معرفتنا بأنفسنا في الخليج، وفي الجزيرة العربية؛ فكلنا نعيش على أرض الجزيرة العربية، عرفنا وتأكد لنا أننا في منظومة القيم ومنظومة الصندوق الثقافي الذي نعيش فيه، ومنظومة التداول التاريخي، وكما ذكر الأخ خالد أننا نملك منظومة من العوامل المشتركة اجتماعياً، وثقافياً، واقتصادياً، وسياسياً.
 
وأنا أؤكد على ذلك مستقبلياً، فعندما كنا ندعى بالدول الرجعية، والمملكة العربية السعودية كانت بالذات مستهدفة في هذا الجانب، كنا ندعى بذلك لأننا كنا أيضا ندعى لهذه الأمور من حضارات بدأت تنشأ، ولا أقول حضارات بقدر ما أعطيها هذه القيمة، ولكن أقول من فلسفات جديدة دخلت في منطقتنا كان هدفها الأساسي أن تسود هذه الأنظمة الجديدة الدخيلة على منطقتنا، وأن تسود سياسة فرق تسد؛ لعل أهم نتائج "فرق تسد" مقارنة ذلك بـ"جمّع وازدهر" التي ظهرت في دولتنا والحمد لله، وفي دول الخليج، هو انهيار هذه الأنظمة والآثار السلبية التي خلفتها في منطقتنا.
 
وعندما انقشع هذا الغطاء من خلال ما سمي بالربيع العربي، وأنا كنت قد قلت في حديث مع فاينانشال تايمز في بدايات ما سمي بالربيع العربي، والربيع بالنسبة لسكان الصحراء هو عندما تنبت الأزهار، وليس عندما تأتي الفيضانات. وكنت أسميه هذا بالفيضان العربي حتى نرى نبت الأزهار، والمؤسف حقيقة أننا نرى هذه الدول العظيمة في محيطنا العربي الدول التي برزت منها، وخرجت منها حضارات، وخرج منها العلماء، وخرج منها بناء هذه الحضارات الكبيرة نراها أمامنا اليوم، وهي تعاني هذه المعاناة القاسية في شعوبها، وتفرق أهلها، وانهيار كبير جداً في كيانها ومكانتها بين الأمم وحضاراتها.
 
أنا رأيت ولا زلت أؤكد - خاصة في السنوات الأخيرة - على أن فصل الإنسان عن مكونه الحضاري، وعن الأرض الشامخة التي يقف عليها، وهي أرضنا سواء في بلادنا، أو في على مستوى العالم العربي، كان عملية مستهدفة ومقصودة، وأن ما نراه اليوم من هذه الأجيال العربية التي تعيش في حالة فراغ، وما نراه من التطاحن الذي يحدث اليوم، هو نتيجة أن هناك إنساناً عربياً وجد، وتم تحويله إلى شخص منفصل عن كيانه ومكانه يعيش على آمال لم تتحقق، ويعيش على أحلام لا تنبع من واقعه، ويعيش في مستقبل وعد به، وكان مستقبلاً كاذباً.
 
ونرى اليوم الأجيال العربية وهي تتخبط وتتناحر بعضها في بعض بسبب رئيس كما قلت في مؤتمر وزراء السياحة في الشارقة قبل سنة تقريباً، ولقد سمعت مؤخراً أن معالي أمين عام الجامعة العربية تبنى هذه الأفكار والمبادرات، وأعلنت الجامعة العربية مبادرة أساسية لإعادة المواطن العربي إلى أرضه، وإرثه، وتاريخه، ومكانته.
 
وأنا لا اعتقد أن يكون هناك مكون يسمى الهوية؛ إلا أن يكون الإنسان في منطقتنا واعياً ومستوعباً للحراك التاريخي، وما هي الأرض التي يقف فيها، ومن هو، وأن يركز على قضية المواطنة قبل قضية الوطنية، قضية الوطنية هي نتاج ونتيجة حتمية لممارسة المواطنة لكل مواطن.
 
نحن نعاني ولا بد أن نكون اليوم أيضاً صادقين مع أنفسنا؛ لأن المرحلة مرحلة تاريخية، ومرحلة خطيرة، وأنا لم أقل هذا بنفسي، ولكن يقوله قادة دولنا، الله يعطيهم القوة في هذا الوقت، فنحن مستهدفين، ومتى لم نكن مستهدفين؟! ومن المستغرَب ألا نكون مستهدفين!؛ لأننا نحن مهد الإسلام، والإسلام هو دين عالمي، ودين البشرية، وقد اختطِفتْ بعض منطلقات الإسلام الإنسانية العظيمة، اختطِفت في مسارات جعلت المسلمين تحت أنظار العالم اليوم يعانون حقيقة من فقدان هويتهم الإسلامية، وأصبح العالم ينظر إلينا للأسف نظرة دونية، فقضية الإرهاب، وقضية تناحر المسلمين في بلادهم، وقضية التخلف، وقضية الجهل، وقضية الانحطاط العلمي والأخلاقي، كلها تتجه نحو العالم العربي والإسلامي.
 
فمؤكد أننا سنكون مستهدفين، ولا نكون متفاجئين، أو أن نغضب لأن نكون مستهدفين، حتى من الجانب الاقتصادي أيضاً، نحن اليوم نملك أكبر مخزون من النفط على مستوى العالم، وهو عنصر مهم جداً لاقتصاد العالم، ونقول الحمد لله سبحانه وتعالى هذه الثروة المرحلية.
 
وأود أن أؤكد هنا أننا لا نقف على بئر بترول، مع أن العالم صنفنا وكأننا دول نفطية، فسمينا دول نفطية، ونحن حقيقة لسنا فقط دول نفطية، وللآسف حتى من أبناء هذه المنطقة من يؤكد في المحاضرات واللقاءات أننا دول نفطية، ولكن نحن دول حضارة.
 
دعني أعود لتصنيف كيف نكون نحن دول حضارة، وقد سمعنا بين فترة وأخرى ممن كان يدعوننا بالرجعية، سمعاً أيضا مهاترات كثيرة بأننا دول فارغة من الحضارة، وأننا كنا نعيش في فراغ حضاري، وأننا لا نملك مقومات، وكنا لا نفقه، ولا نعرف، ولا نتاجر، ولا نقوم بشيء. والمستكشفات الأثرية والمادية لمن يرغب في الخوض في موضوع الماديات تثبت اليوم، وفي كل يوم عكس ذلك، فنحن دول قامت فيها حضارات عظيمة، ودول في موقع جغرافي متميز بين حضارات البشر، وأيضا هذا يجعلنا مستهدفين، فالموقع الجغرافي العالمي عبر التاريخ، وليس فقط مجرد النفط، تقاطع الطرق والتجارة قوافل التجارة معرض المملكة التي تقوم به المملكة اليوم، وسوف يفتتح إن شاء الله قريبا في الظهران في مركز الملك عبدالعزيز الحضاري، وأنتم مدعوون جميعاً لحضور افتتاحه بمشيئة الله، ثم ينطلق إلى شرق آسيا بعد أمريكا وأوروبا، هذا المعرض يعكس جزء من حضارة بلادنا.
 
نحن عشنا طوال الفترات التاريخية السابقة في تداول حضاري ضخم جدا، هذه حالة اللاوعي التي يعيشها المواطن في دولنا اليوم، اللاوعي بهذه الحضارة، وهذا التاريخ؛ مما يسبب أيضا أن ينبهر الشباب، والصغار، وغيرهم بالآخر، ونحن أيضا دخلنا وانغمسنا في قضايا تتعلق بالغزو الثقافي مما جعلنا نتقوقع، ونكون في حالة دفاع، والإنسان لا يبني عندما يكون في حالة دفاع، والإنسان لا ينطلق نحو المستقبل عندما يكون متقوقعاً.
 
ونحن أولى الناس أن نكون منفتحين، ونكون مبادرين، ونكون منطلقين؛ لأننا نحن أيضا بعد توفيق الله سبحانه وتعالى قبل أن يخرج هذا الدين العظيم من بلادنا، دين الحضارة والانفتاح، والدليل أن هذه العلوم التي انتشرت، وهذه الحضارات التي قامت وخرجت من أرض الجزيرة العربية. نقول ذلك لمن يقول: إن أرضنا لم تكن أرض حضارات، الحضارات الكبيرة التي بُنيت حولنا اليوم، وفي شمال وشرق وغرب الجزيرة العربية هي حضارات انطلقت من هنا، وانطلق آباؤنا وأجدادنا وبنوا هذه الحضارات.
 
لذلك عندما نعود لنحاول أن نرد، فمن الخطأ أن نحاول أن نرد ونحن حقيقة عندنا أكبر شاهد ودليل على من نحن، والخوف أننا نضيع هذه الميزة الإضافية العالمية، ولا أقول هذه الخصوصية، ولا أقول هذه الميزة التي ميزنا بها الله سبحانه وتعالى؛ ولكن أقول هذه الميزة التي يمكن أن تثري العالم، وتثري الحراك الثقافي العالمي المستقبلي؛ لأن العالم اليوم أصبح عالَماً منفتحاً ووسائل التواصل الاجتماعي كما تعرفون السفر اليوم ولا نستهين في قضية السياحة. السياحة اليوم أصبحت هي القطاع الأول تقريبا على مستوى العالم في التبادل الإنساني والثقافي أصبحت هي القطاع الأول على مستوى الخدمات، القطاع الأول على مستوى فرص العمل.
 
والسياحة اليوم أصبحت واقعاً محموداً، فأنا جئت اليوم للكويت العزيز ولأستمتع بلقاء بعض الأصدقاء، وكذلك حتى سياحة الأعمال، وسياحة السفر، والسياحة الدينية، وغيرها، كلها اليوم أصبحت تشكل هوية مشتركة على مستوى العالم، وهذا شيء محمود، ليس شيئا نريد أن ندافع فيه عن أنفسنا، ونتقوقع، ونقول: دعونا نبتعد عن الهوية الوطنية؛ لكن اليوم ما نفقده هو أننا نعيش في ارتباك، وارتباك يتعلق بالهوية، لأننا نتكلم عن هوية مجردة، ولا ننطلق من أرضية صلبة، ومعرفة راسخة بمن نحن حقاً؟  وما هي هذه الأرض العظيمة التي ولدنا عليها ونعيش عليها؟
 
اليوم، فإذا أردنا أن نرد، نقول: إن الله سبحانه وتعالى قد أوجد الإسلام ديناً للبشرية، واختارنا كمسلمين، ونعرف هذا من القرآن الكريم، فالإسلام دين البشرية؛ فإذا كان كذلك فإن الإسلام خلق منذ خلق البشرية، وأن الإسلام كان مقرراً والله أعلم أن يخرج من مكان محدد، وفي لحظة تاريخية محددة، وفي زمن محدد منذ أن خلق البشرية، هذه قراءتي بالنسبة لي كإنسان، فلستُ أكثرَ علماً وثقافة في هذه المجموعة وغيرها، ولكن فقط بالاستقصاء والتفكير الهادئ بعض الشيء، وأتفق مع كثير من الإخوان والأخوات والزملاء الذين ينظرون إلى هذا الأمر.
 
في هذا الشكل في معناها الواقعي، ونقول أيضا أننا في بلادنا قد انطلقنا بشكل كبير جداً وبأضعاف مضاعفة في عمليات الاستكشافات الأثرية، فلدينا أكثر من 35 فريقاً علمياً دولياً يعمل معنا في المملكة مع كوادر من السعوديين والأخوات السعوديات، ومن علماء الآثار في كل مكان في بلادنا، إنه اليوم الذي قدر الله سبحانه وتعالى واختار هذه الأرض المباركة التي نعيش جميعاً في محتواها وتاريخها أن ينطلق منها أعظم دين للبشرية، وهذا أول شاهد أن هذا الدين لم يخرج من أرض مفرغة من حضارات، وأن هناك تداول حضاري وإنساني ضخم وكبير جدا، فنحن الآن نستكشف معالمه، ونستقصي خفاياه التاريخية، ونحفر في الأرض، ونقرأ في الكتب ونفكر. والآن نحفر في العقول، هذه المراحل التي بدأت ومرت عليها الجزيرة العربية بدأت حتى من الهجرات الإنسانية الأولى؛ بل إن البعض منا يفكر بأن الإنسان البدائي قد يكون انطلق من أرض الجزيرة العربية.
 
ونحن اليوم في الأسبوع الماضي قد أعلَنّا عن اكتشافات لأصبع بشري بـ 90 ألف سنة من العمر، نحن حرصين جدا على تدقيق المعلومات، والعمل مع الجامعات العالمية، فهذا مشروع مشترك مع جامعة أكسفورد، وسوف ينشر قريباً بإذن الله تعالى.

هناك حضارات تعود لاستئناس الخيل، وحضارات تعود بالحجيرات أكثر من  مليون، وأكثر من مليوني سنة.
 
نحن نعيش في منطقة حيوية فيها حراك حضاري، وثقافي، وإنساني قبل كل شيء منذ العصور الأزلية التي يعلم الله ما بعدها، ونحن نثق بإذن الله أن يعطينا الله عمراً، ويعطي الجميع والأجيال القادمة، حتى يروا الاكتشافات التي تعطي الثقل والوزن لهذه المنطقة العالمية.
 
لو رجعنا للتاريخ وحتى اليوم سنرى مستكشفات وحضارات درمون، والحضارات العالمية الأخرى التي عاشت في هذه المنطقة، نحن نعيش في منطقة عالمية، فنحن أولى أن نكون عالميين، وأن نكوّن الحراك العالمي الجديد، وأن نكون نحن في مقدمة هذا الحراك.
 
الإسلام عندما خرج في هذه الأرض العظيمة، لا بد أن نعود إلى دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام، حيث دعى في الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى قد أسكنه في وادٍ غير ذي زرع، وأنه أمر بالصلاة، ودعى لهذه الأرض أن يرزق أهلها من الثمرات، ويجعل أفئدة من الناس تأوي إليهم، فلا يعقل أن يقول إنسان مفكر، أو عاقل اليوم إنه هذه كانت مصادفة تاريخية، وأنه لم يوجد مكان آخر يأتي إليه نبي الله إبراهيم عليه السلام ومن سبقه من الأنبياء. ونحن نقول: إنه في الآية الكريمة ورد أنه يرفع القواعد، فتكون الكعبة بُنيت قبل ذلك والله اعلم؛ ولكن أتى إلى أرض قدر الله سبحانه وتعالى أنها أيضا في هذه اللحظة التاريخية بإعادة بناء الكعبة أن يعود الناس إلى هذه الأرض، وتنطلق التجارة والقوافل. وتاريخ مكة المكرمة تشكل عبر آلاف السنين من القرن الثامن عشر من خروج الإسلام، هذه الملاحظة التاريخية، وإن قرأناها كآية قرآنية عظيمة، لكنها حقيقة لم نقرأها تاريخياً بعد، وأنا أتذكر أني كنت منشغلاً بكتابة كلمة في جامعة أكسفورد في بدايتنا نطرح هذا الطرح قبل حوالي 8 سنين، والدكتور علي الغبان كان موجوداً في فندق آخر، أعتقد وأنا كنت موجوداً في لندن في الفندق، ؛ فكلمت الدكتور علي، قلت له: يا دكتور علي فيه نقطة تشغلني ، لماذا لم ينطلق الإسلام كما نعرفه اليوم منذ عهد إبراهيم عليه السلام، لماذا لم يكن الناس مسلمين حقيقة، وانتشر كما انتشر في عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؟ ففعلاً سأل هذا السؤال، وكم سنة؟ وهناك الحديث عن 2400 سنة.
 
فبدأنا نفكر، ونقرأ، ونحلل، ولا نتجرأ على الله سبحانه وتعالى، فهناك قصص لم تروَ، وقصص غيبت عن وعينا، نحن نقرأ الثقافات الغربية والشرقية، وأنا من الناس الذين قرأوا ثقافات الزن، وكلها مهمة؛ لكن هناك حراك إنساني حصل في الجزيرة العربية، واليوم هذا الحراك الإنساني إذا استمر غائباً فإن بحثنا عن الهوية سوف يستمر في الهواء.
 
لقد جاءت ثقافات، وجاءت فلسفات، وجاءت أفكار كونت دول الاتحاد السوفيتي كنموذج انطبق علينا بعض الشيء، هنا في الثقافات التي مرت علينا في بلادنا، فرأينا الفلسفات السياسية، والثقافات التي تمر على بلادنا، وتنسب إلينا، وكلها اندثرت، وخرجت اليوم، هذه الدول التي تعاني اليوم، تعاني لأنها انفصمت، وانفصلت، وهناك حركة كانت يسمونها بالإنجليزية فصل الإنسان عن المكان، وفصل الإنسان عن المكون التاريخي والحضاري، ويكون إنساناً جاهزاً للقطف هذا شيء معروف.
 
وهذا الذي حصل، فنحن عندما بدأنا نقرأ ثم ماذا حدث، أنا كنت دائما من الأفكار التي كانت تشغلني كثيراً وأكيد من الموجودين من عنده أيضا معلومات إضافية، جلسنا نقرأ كل هذه السنين عن ماذا حدث في هذه المرحلة فقط، وأنا لا أتكلم عن مشروعنا "الجزيرة العربية الخضراء" الموجود على الإنترنت اليوم، وهو الآن بحث منشور عن الاكتشافات في المملكة العربية السعودية ودول الخليج المشتركة، وهناك اكتشافات هائلة جدا للهجرات الإنسانية الأولى التي لم تأتِ كمرور، فبلادنا لم تكن محطة استراحة طرق، وإنما قامت فيها حضارات واستقرت، فنشأت ممالك، ونشأت حضارات، فأرضنا تتكلم بما عندنا اليوم، وما تحت الأرض يتكلم بما صُنِع في هذه الأرض، والمصنوعات والمدن التي تستكشف، كل هذه أدت إلى تهيئة - باعتقادي والله اعلم - أن يخرج هذا الدين العظيم من أرض عظيمة، وأرض شامخة، وإذا نسينا هذا الأمر فنحن نكون قد أخطأنا واستمرينا في التخبط في أن بلادنا بلاد حضارات، ثم جاء الإسلام وتوج هذه الحضارات الإنسانية العظيمة.
 
الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"؛ فمن يقول لك اليوم إن العرب ليس لديهم أخلاق وحضارة فهو مخطئ، وهو يجني على الإسلام، لأن الله سبحانه وتعالى قدر أن يخرج الإسلام من هذه الأرض، واختار شعوب هذه الأرض، فانظر إلى هذا الشرف العظيم أن تنطلق برسالة الإسلام، انظر إلى هذا الشرف العظيم، من يقول أننا نحن قوم سُراق إبل، ونحن قوم لا نفقه، ولا نعرف، وكنت أتكلم ولا زالت في المحاضرات التي ألقيها مع زملائي في الدول العربية وأوروبا، وغيرها مع الناس أننا لسنا حديثي ثروة، فنحن مَن حمى طرق التجارة التي أسست الحضارات في هذه المنطقة، بل ننطلق من أجدادنا الأوائل، ونحن اليوم ولله الحمد نحقق الأمن في هذه الدول التي تكونت واستقرت عبر تحديات خطيرة جداً، والذين عاشوا هذه الفترات التي مرينا فيها كلنا يعرفون فترات التحديات والاستهداف، وكل ما يحدث اليوم حدث سابقاً، والأمر اليوم مختلف فأكثر الناس يعلمون ذلك ، وهذا بسبب الإعلام والتواصل الاجتماعي؛ ولكن حقيقة نحن عشنا كصغار، وكشباب، وكرجال مراحل تحديات خطيرة جدا في منطقتنا، ويمكن الدكتور الرميحي يعطف عليّ بعض الشيء؛ ولكن هذا قدرنا، وهذا هو ما يحتاج أن تعرفه هذه الأجيال القادمة، وإن كنا نعيش في رخاء، قدرنا أن نعيش مستهدفين، وهذا لا يمنع أن نكون متعاونين ومنفتحين؛ لكن نكون حذرين، لكن نكون مهيئين، لا نقول جاهزين، إن بناء الجيوش مهم، وبناء الأمن بلاشك مهم أيضاً، ولكن نكون مهيئين، ومحضرين هويتنا لتكون واضحة أمامنا، فمن نحن؟ ولماذا أصبحنا كذلك؟  وما هو أساسنا التاريخي؟  هذا مهم جدا.
 
في هذه الفترة التي هي من دعوة إبراهيم عليه السلام، وإعادة بناء قواعد الكعبة يمكن أن يكون هذا هو المنظور الصحيح؛ لأني أنا أعتقد والله اعلم أن ما حدث في قبل خروج الإسلام منذ زمن الخليل عليه السلام كان تهيئة للمكان والزمان والبشر، المكان مكة المكرمة، بنيت الكعبة، بدأت القوافل، هذه هي دعوة إبراهيم عليه السلام، واجعل أفئدة من الناس تأوي إليهم، ولا تأوي إلى المكان تأوي إليهم؛ ولذلك نحن في بلادنا عندما تأتي الناس الذين كنا نذهب لهم، وأنا أقول هذا الشيء مؤسف حقيقة، كان سكان هذه الأرض، وأنتم أهل الكويت أعلم الناس، والكويت اليوم في تداول حضاري وثقافي رائدة عندما كان الناس يعيشون في تداول الآخر، الكويت منذ نشأت الكويت وهي تعيش في هذا التداول الثقافي الكبير.
 
نحن اليوم نرى أن هذه الفترة الزمنية كانت فترة تحضير وتهيئة للإنسان، اللغة العربية وتطورها عبر أرض الجزيرة العربية، حتى من قبل، فالقرآن الكريمنزل هنا عند أهل اللغة، فسوق عكاظ كان مسرحاً للمعلقات، والشعر، والأدب، عندما زاره الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام ثم بعد الإسلام والمعلقات اللغوية منتشرة، فهذه اللغة المتفوقة نشأت على أرض الجزيرة العربية، فالشعراء لم يتم استيرادهم، ولا كانوا يأتون بالفيس تايم، وهذا يدل على تطور اللغة العربية في هذا المكان.
 
فلذلك لاحظ أن القرآن الكريم نزل في لحظة تاريخية كان الناس يتكلمون اللغة في أفضل حالاتها، يعني وقت إبراهيم عليه السلام لم تكن الجزيرة العربية تتكلم اللغة العربية، وكان هناك بدايات في هذا، مثل لو نزل معالي أخي الشيخ سلمان يلقي محاضرة بعد قليل باللغة المنغولية، يمكن سنصفق أكيد ونمدح.
 
لكن خرج الكتاب العظيم في لحظة تاريخية تطورت عبر اللغة، ثم تطور الإنسان، كيف تطور الإنسان، وعلى فكرة وهذا جزء من الهوية الجديدة، الإنسان اليوم في هذه المنطقة هو الإنسان نفسه جينياً وراثياً الذي لازال يحمل بعض الجينيات الوراثية، ولا يمكن أن ننسى الجنيات الوراثية في الهوية، تتطور الإنسان الذي اشتغل بالتجارة، وحمى قوافل التجارة، لم يكن سواقي إبل؛ بل كانوا يقودون القوافل، وكانوا يجذبونها، وكانوا يتجارون، ونشطت الحالة الاقتصادية، والحالة الاقتصادية تنشط الدول، وقامت الأمم والممالك القديمة، والممالك العربية المتأخرة، وكذا كله حراك تاريخي.
 
لذلك الحراك الثقافي الاقتصادي أيضا كون حضارات، وانتهى إلى اندثار للممالك، وهذا حال الدنيا والأمم، اندثار للحضارات القديمة، واندثرت كان آخرها حضارة النبطيين، مرة أخرى ثلاث دعوات لازم نحققها، والشيخ سلمان يتولاها، النبطيين في مدائن صالح، ويا ليت تأتون إلى مدائن صالح، وتشاهدون الحضارات التي قامت، وكانت حضارة الأنباط بالتحديد، وهي من أهم الحضارات بالنسبة لنا في تطوير اللغة.
 
ولكن التجارة والقوافل أسست الاقتصاد، وأسست بنية أمنية في المنطقة؛ فاليوم نحن لسنا أثرياء نفط فقط، النفط هو اقتصاد المرحلة، نحن ولله الحمد نشاهد المستكشفات الأثرية، ومعرض روائع المملكة العربية السعودية، وهو موجود على موقع الهيئة أيضا.

ونحن نلاحظ أن الناس انبهروا بهذه المستكشفات الأثرية، ونتمنى أن يكون عندنا إن شاء الله انطلاقة لمعرض بدول الخليج، وهو معرض عالمي للآثار والتراث الحضاري في دول الخليج المشتركة، ونتمنى أن يكون هذا أحد توصيات اليوم.
 
أيضا البشر الذين تهيؤوا وانطلقوا بتحقيق أول شيء بناء الحضارات هنا،  هم ليسوا متطفلين عليها، نحن بنينا الأمن، وحققنا الأمن في الجزيرة العربية وإلا ما كانت هذه القوافل تأتي وتنتقل، ويأتون  للحج، والحج قبل الإسلام، ثم الحج ولله الحمد بعد الإسلام، وأيضا في الدولة السعودية المباركة منذ تأسيسها كان هذا هو مشروعها الأساسي هو مشروع تأمين الحج.
نحن لا يمكن أن نغفل كلام الله سبحانه وتعالى في إقامة الصلاة، وهذا بشكله العام، معناها أننا نسير على هذا الطريق منذ عهد إبراهيم عليه السلام فالدين بالنسبة لنا يعدّ مكوناً أساسياً، والله سبحانه وتعالى سوف يفتح لنا هذه القدرات الاقتصادية ما دمنا ملتزمين بمنظومة القيم.
 
ولذلك عندما تمت تهيئة هذه الأرض المباركة باللغة، وبالبشر، وبالاقتصاد، وبتداول الناس عليها، وبقيام حضارات كثيرة أصبح سكان الجزيرة العربية مهيؤون لينطلقوا بأعظم رسالة للإنسان في البشرية، لاحظ لا يمكن أن يخرج دين عظيم مثل الإسلام لقوم غير جاهزين. فكان الناس جاهزين، فبقيت الحضارة واقفة، وخاصة من الناحية الاقتصادية والثقافية وهي في مكة المكرمة.
 
فالإسلام انطلق في عقر دار حضارة عند أناس لم يكونوا رعاة غنم فقط، وهذا  ليس عيباً، فالرسول صلى الله عليه وسلم رعى الغنم، ولا ننس أجيال الشباب فيغفلون أن الرسول صلى الله عليه وسلم رعى الغنم، وعمل في التجارة ، وعمل لدى امرأة فاضلة، فدور المرأة في ثقافتنا كبير جداً، فالمرأة اليوم في بلادنا هي جزء من هذا المكون الكبير العظيم، أول من تلقى وأول من انطلق وأول من قبل وأول من قامر وخاطر بنفسه هي خديجة رضي الله عنها، وغامرت وهي امرأة غنية، ولم تكن امرأة فقيرة وهامشية. أول من تلقت هذه الرسالة العظيمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.
 
ولذلك نحن اليوم عندما نرى التكوين الذي حدث في اللحظة التاريخية لخروج الإسلام في مكة المكرمة، نجدها كانت جاهزة اقتصادياً، كانت منطقة اقتصادية متحركة، وفيها حركة اقتصادية ضخمة جدا، وكذلك من الناحية الثقافية فنزل هذا القرآن، هذا الكتاب المقدس العظيم على قوم كانوا في مستوى عالٍ  جدا ومرتفع من الثقافة، لهذا فإن الغربيين ينبهرون بهذا الكلام، إنه والله نحن سمعنا إن الرسول صلى الله عليه وسلم ونكرم الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك إنه كان رجلاً أمياً، وكان يتاجر، يعني كأنه جاء على قوم لا يفقهون، هذا ليس راسخاً، هذا ما أحب أؤكده اليوم، هذا على فكرة ليس راسخاً فقط في عقل الحضارة الأخرى، أو الغرب، أو الشرق أيضا؛ ولكن للآسف عندنا، وأنا قلت هذا الكلام بشكل عام نحن في بلادنا نعيش في حالة غياب، مغيبين تماما عن من نحن؟  ومن نكون؟  وعلى هذه الأرض الشامخة التي عشنا ونعيش عليها، وعلى هذه المكانة الضخمة جدا لبلادنا التي نعيش فيها، الذي جعلنا على ما نحن عليه اليوم، نحن اليوم لسنا فقط تجار نفط، ثم بنينا جيوش، وبنينا مدارس، هذا غير صحيح نحن اليوم لم نشترِ أسلحة، وندرب الجنود حتى نحقق الأمن، نحن جبلنا على ذلك على التجارة، وعلى الاقتصاد، وعلى بناء الحضارات، وعلى تحقيق الأمن. وأيضا نحن أقدر من غيرنا على أن نكون عالميين وننطلق إلى بناء المستقبل الإنساني.
 
وأنا اليوم كان لي فرصة يمكن ما حصلت لكثير من الموجودين هنا إن لم يكونوا كلهم، فرصة تأتي للإنسان، لكن هي فرصة جعلتني أتأمل ونحن في مكوك الفضاء في سنة 1985م. وأنا أنظر إلى الأرض كمسلم، كشخص يأتي من منطقة مختلفة، نظرت إلى خلق الله، ولكن خلق الله شواهده في القرآن الكريم أبلغ من أي شيء تنظر إليه. ولكن نظرت إلى حجم الكرة الأرضية ومكانها في هذه الفراغ المظلم، وكنت أتفكر إنه لا يمكن أن نقول نحن لدينا خصوصية، ونحن نعيش في هذا المكان الصغير المتداخل، لا يمكن أن نتكلم عن أنفسنا، ونحن نستطيع أن نتقوقع، ونحن نعيش في هذا المكان الذي لن يسمح ولا يسمح هذا الكلام قلناه قبل 30 سنة.
 
خرج هذا الدين العظيم على حضارة قائمة، وانطلق هذا الدين العظيم إلى المدينة المنورة، وكانت انطلاقة الإسلام وتوسعه في أرجاء المعمورة؛ لكن شعب هذه الأرض الذين هم الأجداد الأوائل للشباب اليوم، هم الذين انطلقوا بهذه الرسالة العظيمة في أصقاع الأرض ونشروها.
 
انظروا اليوم نحن نعاني من دخول هذه الأمراض علينا، من هنا داعش، من هنا القاعدة، من هنا الفكر المتخلف، من هنا الفئات الدينية المتناحرة لماذا؟ لأنه في اعتقادي أن هناك فراغ كامل لدى إعادة بناء قصة خروج الإسلام من الجزيرة العربية، وما حدث قبل ذلك، وهو يسمى اليوم بعصر الجاهلية، ولو كان عصراً منغلقاً وعصراً كل ما فيه سيء، لما خرج منها الرسول صلى عليه وسلم، فالله سبحانه وتعالى اختار نبي الأمة الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم أن يخرج من قوم سموا بقوم الجاهلية، وقال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وخرج من منظومة قيم، وخرج من منظومة بناء وثقافة وحضارة.
 
فلذلك أنا أحب أن أغلق الحديث بأن أقول: إننا في المملكة العربية السعودية وعينا  ذلك، فقد نشأت وتربيت في بيت رجل ثقافة ورجل تاريخ، وانطلقنا إلى المواقع وشاهدنا، واكتشفت إنه بعد قيام هيئة السياحة، فعلا أن المواطن السعودي والنشء لا يعرف بلاده، يعيش في حالة انفصام كامل عن بلاده، حتى سميت بلادنا في وقت من الأوقات للآسف كما ينظر إليها بعض الناس ومعظم الشباب أنها ماكينة صراف آلي؛ فالتشبع الذي حصل في هروب الناس من بلادهم أسميها كلمة هروب تحتها خط إلى مواقع أكثر جاهزية من ناحية الاستقبال ؛ إنه هناك أصبح تشبع بالحضارات الأخرى، ومعرفة بتاريخ الحضارات الأخرى، وفعلا غياب كامل لمعرفة المكان، والزمان، والأرض التي يعيشون عليها.
 
في اعتقادي إنه أول مهمة لتأصيل الهوية في منطقتنا هي العناصر المشتركة التي تجمعنا، وأول هذه العناصر المشتركة التي تجمعنا هو التراث الحضاري، إعادة استكشاف المواقع وتهيئتها، هذا دور السياحة الآن، وإعادة عرض الثقافة والتاريخ الوطني بطرق مشوقة بأننا نعيش في عصر التشويق، وهناك منافسة كبيرة على وقت الإنسان، وعلى عقل الأطفال أيضا. وأن ثقافتنا تكوّن، وتعود كما كانت ثقافة انفتاح، وثقافة انطلاق، وثقافة مستقبل لولا ذلك لما كان المسلمون هم الذين قادوا حركة التنوير على مستوى العالم، عندما كانت أوروبا تعيش في عصر الانحطاط الثقافي والعلمي، أتى هذا النور إليها من هذا العالم، ومن العلماء العالم وانطلقت أوروبا وهي تبني على هذه الحضارات، ولو كان عصر الانغلاق والتقوقع لما استوعب علماء المسلمين الأوائل الذين نحن اليوم نذكرهم، ونقول العالم الفلاني، لما استوعبوا حضارات الذين كانوا قبلهم، ولا كانوا قالوا: أغلقوا الكتب، ولا نقرأ حضارة الرومان، حضارة الإغريق، حضارة الفراعنة وغيرهم، هناك إيجابيات الحضارات الأخرى حتى اليوم الذي نعيش فيه هذا العالم، ما دخل إلينا في أننا نرفض الآخر، وكلمة الآخر كلمة عليها تحفظ كبير بالنسبة لي، وما دخل إلينا في أننا نرفض كل شيء جديد، ثم نقول خصوصية.
 
فأنا عندي بشارة للجميع ترى كل الناس عندهم خصوصية يعني هذه بشارة أبشركم بها كل الناس، وكل الدول، وكل مكان زورته في حياتي، والناس الذين يقرأون مثل الشيخ سلمان، والدكتور الرميحي كلهم عندهم خصوصية، نحن يمكن أن نقول عندنا نوع من التمييز بأن الله سبحانه وتعالى جعل هذه الرسالة العظيمة أن تنطلق من بلادنا، وأن جعلنا أمة بنت حضارات، وبنت استقرار اليوم.
 
وحتى أختم بجملة تحاكي هذا الحدث في ظل الاستقرار اليوم واستمراره بمشيئة الله، ومواجهة هذه التحديات الخطيرة التي نعيشها اليوم، والمرتبطة بنا نحن كمسلمين، نقول: لا يتم ذلك إلا بالتمسك بالدين الإسلامي، والأخلاق، والقيم الإسلامية التي أحيانا ننسى أن نذكرها في مظلة هذا الدين، فهذا كله مهم حتى نعرف من أين أتينا، وليس من نحن، أنا سمعت كلمة من نحن؟ وأنا أعتقد من العيب أننا نأتي الآن ونقول: من نحن؟، نحن الذي بنينا، نحن الذين أسسنا، نحن الذين بادرنا، وكل هذا تاريخنا غني به، ونحن نملك هذه الجينيات، وهذه العناصر الوراثية، ونملك القدرات، ونحن الذين أسسنا في هذه الدول الحمد لله هذه المنظومة السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية المستقرة اليوم.
 
نحن الذين كنا نسافر طلباً للعيش، نحن الذين نستقبل اليوم أبناء وأسر هذه الدول التي كنا نطلب فيها العيش، الناس تطلب الأمن، والاستقرار، وأن تعيش وأن تربي أبناءها، وأن تزدهر وأن تتمتع، وتنعم بالعيش في بلادها هذا جزء أيضا منا كمسلمين، المسلم ينعم في عيشه.
 
فلذلك من الخطر أن نستمر في تجاهل الحضارة والتاريخ، وجربنا أننا نغلق هذا الباب، ونسير في مسارات الآخرين نتبع هذه الثقافة، ونتبع هذه الفلسفة ونتبع هذه الحضارة، ووجدنا أنه في نهاية الأمر ما يلتم شملنا أننا نعرف العناصر المشتركة التي تكون بيننا، وهي البعد الحضاري النسيج الاجتماعي المكون، أننا نتكاتف اليوم على أن نكون هذه العناصر المشتركة ونعرفها ونجعلها، كما أقول في برنامج عيش السعودية الذي أطلقناه في المملكة اليوم، أن نفتح قلوب الشباب، عملية جراحية تقريبا وأن نجعل هذا الوطن بمفهومه الجديد المتجدد.
 
المملكة العربية السعودية، وخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز يرحمه الله، ثم الملك سلمان بن عبدالعزيز يحفظه الله تبنوا الآن مشروعاً رسمياً اسمه مشروع خادم الحرمين للعناية بالتراث الحضاري في المملكة، هذا مشروع كبير ومنشور على موقع الهيئة على الإنترنت هذا مشروع ضخم جداً يشمل منظومة ضخمة جداً من المتاحف، والبرامج التعليمية، برنامج عيش السعودية، والبرامج الترميمية لمواقع المملكة من آلاف المواقع، وكلها تصب في إعادة الوطن وتاريخ وحضارة الوطن إلى قلب المواطن، وهذا ما أردت أن أختم به.
 
ولكم الشكر على إعطائي فرصة أكثر مما أستحق
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.