ورشة العناية بالمساجد التاريخية



 
كلمة صاحب السمو الملكي 
الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز  
رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني
خلال ورشة العناية بالمساجد التاريخية
يوم الأحد 1 شعبان 1437هـ الموافق 8 مايو 2016 

أسعد الله صباحكم بالخير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
معالي أخي الشيخ صالح آل الشيخ، وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد.
معالي الشيخ د. عبدالله المطلق، أيها الإخوة الحضور الكرام
صاحب السمو الأمير عبدالله بن سعود 
 
أحييكم في هذا الصباح الجميل، وما أجمل الصباح عندما يبدأ بخدمة المساجد؛ فنحن بحمد الله تعالى في هذه البلاد المباركة نبدأ يومنا بالصلاة في المساجد، ونستمر طيلة يومنا في حضورنا للمساجد. وفي هذا اليوم نحن أيضا نستشعر عناية هذه الدولة المباركة، وقيامها في هذه الأرض الطيبة بالعناية بالمساجد، التي هي حاضرة في تاريخ هذه البلاد منذ عصر النبوة. وهذه من النعم التي نحمد الله تعالى عليها، والتي هي بحمد الله نعيشها، وسوف تستمر إن شاء الله في حياتنا، وفي مستقبلنا.
 
وفي البدء أود أولاً قبل كل شيء أن أشكر الله سبحانه وتعالى على توفيقه، ولولا توفيق الله سبحانه وتعالى في هذا الأمر خاصة لما تحقق أي شيء، ثم أرفع الشكر لقادة هذه البلاد المباركة الذين جعلوا المسجد منذ إنشاء وتأسيس هذه الدولة من حوالي 300 عام - هم مع المواطنين مجتمعين - جعلوا المسجد غاية الاهتمام، وهو المحور الأساس لهذه الدولة، ولاجتماع شمل الناس ولله الحمد.
وأيضا أرفع الشكر لمقام سيدي خادم الحرمين الشريفين سيدي الملك سلمان بن عبدالعزيز وفقه الله على عنايته بهذه المساجد، وعلى عنايته بشكل أوسع في التراث الحضاري الوطني الذي أكد يحفظه قبل شهرين تقريبا بأمر سامٍ كريم تبني الدولة "مشروع خادم الحرمين الشريفين للتراث الحضاري الوطني"؛ ولذلك نحن والحمد لله ننطلق من أسس متينة، من أبرزها أهمية العناية بالمساجد، وقد أكد ذلك معالي الشيخ صالح آل الشيخ يحفظه الله في كلمة ضافية العام الماضي في شهر رمضان في افتتاح مسجد الشافعي الذي تم ترميمه برعاية مؤسسة الملك عبدالله بن عبدالعزيز الخيرية، فقال: إن العناية بالمساجد التاريخية والعناية بالمساجد الأقدم هي الأولى بالاهتمام.
 
إن مبدأ الهيئة وشركاءها، ومن أهم الشركاء وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، العناية بالمساجد التاريخية، وقد بدأت هذه الشراكة منذ سنين طويلة، فمؤسسة التراث الخيرية التي تشرفت بتأسيسها منذ حوالي 25 عام عملت على موضوع المساجد التاريخية، ومع إمكانيتها المحدودة آنذاك قامت بشراكة وتعاون وتفاهم مع وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد لترميم بعض المساجد التاريخية وإعادة بنائها.
 
فليست هذه العلاقة مع وزارة الشؤون الإسلامية علاقة وليدة وجديدة، بل عريقة قديمة، وقد احتضنها صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله، إذ قدم أول منحة للبرنامج بمليوني ريال لترميم منظومة المساجد، كما أن الملك عبدالله رحمه الله قدم منحة لترميم أول مسجد في عصر الدولة السعودية في عسير، وهو مسجد طبب في بلدة طبب الذي تم ترميمه ولله الحمد، وتم افتتاحه آنذاك.
 
وتوالت حقيقة هذه العناية المباركة من قادة الدولة ومن المواطنين وهم كثر ولله الحمد، ومنهم من يجلس معنا اليوم، ثم أصبحت العناية في مستواها الآخر بأن تأسست الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، وجعلت من أولى البرامج التي تعنى بها البرنامج الوطني للتراث العمراني عبر مركز التراث العمراني الوطني، وجعلت برنامج العناية بالمساجد التاريخية أعلى وأهم مسارات هذا المركز.
 
وهنا أود أن أشير لبعض الأمثلة، فكما قلت: افتتاح مسجد الشافعي في العام الماضي كان له أثر كبير بعد عملية ترميم استغرقت أكثر من خمس سنوات لاستكشاف طبقات الترميم التحتية للمسجد، واكتشاف كثير من الآثار، والطبقات، والمنبر القديم، في عملية ترميم موثقة ودقيقة، وكل هذه المعلومات تجدونها اليوم على موقع الهيئة للسياحة والتراث الوطني. 
 
كذلك مسجد الحنفي الذي كان علامة بارزة في جدة التاريخية، ومسجد الضويهرة أيضا الذي أكرمنا الله سبحانه وتعالى من فضله، وليس الإنسان له فضل في ذلك، بترميمه عبر قصة بالنسبة لي استمرت أكثر من 25 عاما في مشروع تطوير الدرعية، فقد تعددت زياراتي للموقع الذي كان خربا ومتهالكاً، وكان أول ما يهمني حقيقة هو ترميم مسجد الضويهرة وبعض منظومة المساجد التي وصلت الآن حوالي 45 مسجداً في وادي حنيفة التي تبناها، وأعلن عنها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان في افتتاحه حي البجيري؛ وهو يعد المرحلة الأولى من حي الدرعية.
 
وقد افتتح الملك سلمان يحفظه الله في العام الماضي ضمن افتتاح حي البجيري مسجد الضويهرة، وأتمنى من الجميع أن يكون لهم فرصة لزيارته. كذلك تم افتتاح مسجد الملك عبدالله العام الماضي من قبل أصحاب السمو الملكي أبناء الملك عبدالله يرحمه الله، ومعالي الشيخ صالح، وكثير من الناس، وكان ذلك علامة أيضا للانطلاق بمشروع متكامل لترميم المساجد في جدة التاريخية، التي هي موقع مسجل في اليونيسكو الآن، وقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان يحفظه الله بالتوجيه بتبني مسجد الحنفي، وهو مسجد من أكبر مساجد جدة التاريخية، وجاءت موافقة مقامه الكريم قبل حوالي شهرين من الآن، وبدأنا في الدراسات الترميمية له.
 
وعندما نتذكر قديمًا بعض المواطنين المعنيين بالتراث والآثار قبل إنشاء الهيئة كانوا يستنجدون لإنقاذ بعض المساجد التاريخية من الهدم والإزالة، ولم يكن ثمة نظام يساعدني، ولم نستطع مع معالي الشيخ صالح أن نتمكن من إيقاف هدم تلك المساجد.
 
واستمرت الصعوبات حتى بعد إنشاء الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، إذ عندما بدأت الهيئة في برنامج تطوير المساجد التاريخية في الأعمال الأولى، أظنها في محافظة العلا، في ترميم مسجد القرية التاريخية بالعلا، قام بعض الأفراد بتقديم شكوى لسماحة المفتي جزاه الله خيرا، الذي من حقه عليَّ أن أذكر بكل الخير والتقدير لسماحته جزاه الله خير الجزاء وقوفه معنا في هذا الموضوع منذ سنوات طويلة، إذ ذكر من أرسل الشكوى أننا نرمم المسجد لسبب ما تاريخي، ولا ينبغي أن يرمم، ولا أن يعاد إحياؤه، دون أن يذكر سببًا لرأيه. ولكن هذه القصة بهتنا من البداية على أهمية التوعية والتأصيل الشرعي لقضية المساجد التاريخية؛ ليكون المواطن على وعي بما تقوم به الهيئة ومنطلقاته.
 
ومثلما نعتز بشراكتنا مع الوزارة، نثمن علاقتنا مع الهيئة العليا لتطوير الرياض، ووزارة الشؤون البلدية والقروية هي التي تقودنا جميعا في هذا المسار الموفق بإذن الله. ولابد أن أذكر بكل التقدير ما يقوم به الجميع من الإخوة والمؤسسات من المتبرعين في هذا السبيل، وقد كان معنا في ملتقى التراث الوطني الخامس في منطقة القصيم جلسة مميزة رأسها معالي الشيخ عبدالرحمن السديس رئيس الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، قدَّم فيها كلمة ضافية، وألقى فيها الشيخ عبدالرحمن بن علي العسكر أيضا - وهو معنا اليوم - كلمة ضافية مؤصلة، وأهداني كتاباً فيه تأصيل كبير لهذه النقطة ، والحمد لله توالت الآراء وتوالى الناس بعد أن رأوا بأعينهم، ولا أؤيد نشر صور المساجد وهي خالية؛ لأنها صور مساجد عمرانية، في حين أن هدفنا ليس معماريًا ترميميًا فقط، بل إعادة الحياة إلى تلك المساجد.
 
إن المساجد التاريخية جزء أصيل لا ينفصل عن حياتنا، وعن تاريخنا، وعن قيام هذه الدولة المباركة، وعندما ندخل المملكة العربية السعودية اليوم، ونلحظ انشغال الناس اليوم بقضايا التطوير، والمستقبل، والتحديث، وتغير العادات الاجتماعية، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومحاكاة الدول الأخرى في طريقتها في التنمية والرقي، لا ننسى أن هذه الدولة قامت على أساس متين، هو ما جعل هذه الدولة بحمد لله تعالى تستمر، وهو الضامن لها إن شاء الله أن تستمر في المستقبل، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ من هنا قامت هذه الدولة على أساس اجتماع الشمل على عقيدة واحدة، وليس على توحيد الجغرافيا، وعملت على توحيد القلوب من خلال التئام الناس على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعلى إقامة الشعائر، وتصحيح المفاهيم الدينية، والتأكيد على أن دور الإسلام دور أساسي أصيل في كل شيء تعمل فيه هذه البلاد ولله الحمد.
 
إن القيم والعقيدة الإسلامية هي التي جمعت شملنا هذا اليوم، وهي التي جعلتنا نلتئم بصفتنا مواطنين في هذا المجلس، الذي فيه جميع مناطق المملكة ممثلة، وقد أسهمت الدولة في تحول كبير في الجزيرة العربية منذ تأسيسها منذ 300 عام، ذلك التحول من الخوف إلى الاطمئنان، ومن شتات الناس إلى التئام الشمل، وقادت التحول نحو البناء، ونحو توحيد الدولة، وذلك بفضل من الله تعالى ومنّه.
 
نحن ننظر اليوم إلى أن المساجد التاريخية ركن أساسي في مسار تطوير المواقع التراثية والتاريخية التي صدرت فيها أوامر سامية متتالية، في مشروع خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري، ضمن عدد من المسارات التي تعنى برسالة الإسلام والمتاحف الإسلامية.
 
والمملكة اليوم في نظرنا متحف إسلامي مفتوح لا يستطيع أحد أن ينافس هذه البلاد في قصة نشوء الإسلام، وقصة المواقع، وهي إن شاء الله مقبلة على أن تعاد لها الحياة، ويعرف المسلم قصة هذا المكان الذي عج بالحضارة، ونهض بالعمل الطيب.
 
وكانت المساجد التاريخية هي المحتوى الذي تجمهر حوله الناس، والتأم حوله المسلمون في مغازيهم، واجتماعاتهم، وأفراحهم، في قراهم ومدنهم. نحن اليوم نستهدف أن نعيد هذا التاريخ المجيد لبلادنا بلاد الإسلام، فعندما نستعيد تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام، وننظر في قصة التطور التي حدثت حتى خرج الإسلام من أرض هيأها الله سبحانه وتعالى عبر ملايين السنين، وقدر لها - والله أعلم - أن يخرج دين الإسلام من أرض مباركة وعلى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل ما حدث في أرض الجزيرة العربية قبل خروج الإسلام برأينا أنه يؤدي إلى أن يخرج الإسلام في لحظة تاريخية، ويقوم على هذا الأرض المباركة التي كانت تضج وتعج بالحضارات، وتمر بها طرق التجارة والتقاطعات الحضارية على مستوى العالم.

فلذلك عندما نعنى بالتراث الحضاري لأرض الحرمين فإننا في الوقت نفسه نعنى بهذه القصة والملحمة التاريخية لتوحيد الدولة، وأيضا توحيد الجزيرة العربية وقت النبوة، وهي علامة من الله سبحانه وتعالى أنه قدَّر لهذه الجزيرة العربية بلاد الحرمين أن تتحد، ويجتمع لها أهل الخير لخدمة الحرمين الشريفين.  كما يقول سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - يحفظه الله - أن رسالتنا الأولى هي خدمة الحرمين الشريفين، وقد هيَّأ الله تعالى ذلك بأن اجتمع شمل أهل الجزيرة العربية، وأغدق عليهم من الخير الكثير استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام أن يرزقهم من الثمرات وأن يقيموا الصلاة.

فدور المساجد اليوم أن تكون مكاناً للصلاة واجتماع الناس في ذلك، وكذلك دور المسجد أيضا هو دور محوري في حياتنا، واجتماعنا، ومستقبلنا؛ فلذلك نحن اليوم لا نعنى بالمساجد التاريخية لمجرد العمران، أو الترميم، ولكن ليرى العالم أننا – ولله الحمد - بدأنا في هذا الأمر، أمر اجتماع الشمل على كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن تقوم دولة قوية وآمنة ومتفوقة في كل ما تقوم به، ومتفوقة في التقنية، ومتفوقة في استشراف المستقبل، ومتفوقة في كثير من الأمور التي يتباهى بها غيرنا، وأنها قامت بذلك كله، والناس مجتمعين والحمد لله على الإسلام، والقيم الإسلامية العظيمة، ولم ينفكوا عن ذلك في وقت العوز المادي، أو في وقت الخير الذي يتدفق الآن.
 
أحببت أن أقول هذه الكلمات، أيضا لأساهم مع من يساهم منهم، وهم أقدر مني في تأصيل هذا المسار، أننا نحن اليوم نعنى بالمساجد، وبإحيائها، قد يكون من أسعد ما يراه الناس اليوم. 
كذلك نؤكد على أن عمارة تلك المساجد التاريخية عمارة بسيطة وجميلة، ولكن خرج الكثير من الخير منها، ولعل المحسنين هذه الأيام يعيدون النظر فيما يبذل في المساجد من الزخرفة، ومن التكلف أحياناً الذي تصل تكلفته إلى مئات الملايين، وأن تتحول الأموال الإضافية إلى أعمال خيرية تساعد الناس الذين يعيشون حول المسجد، أو الذين لا يستطيعون أن يصلوا إليه. 
أحبّ أن أشكر الجميع، وأنا سعيد جداً بوجود معاليكم، ومعالي الشيخ عبدالله المطلق، هذا الرجل المبارك إن شاء الله الذي بيننا وبينه علاقات كبيرة في كل شيء.
 
وأكرر الشكر على صدور الأوامر الملكية السامية وقت الملك عبدالله، ثم وقت سيدي الملك سلمان ببرنامج خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري، الذي من مساراته أيضا العناية بمواقع التاريخ الإسلامي، الذي يختلف عن مسار المساجد التاريخية. وأود إشعار الجميع أن في الهيئة لجنة شرعية ، يشارك فيها مجموعة من هيئة كبار العلماء والمشايخ وبعض المشايخ أيضا من المناطق نعمل معهم يدا بيد، والحمد لله على كل شيء نقوم به اليوم فيما يخدم إن شاء الله الإسلام، ويخدم هذا الدين العظيم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.