كلمة رئيس الهيئة في حفل انضمام جدة التاريخية لقائمة التراث العالمي (اليونسكو)



كلمة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان
رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار
في حفل انضمام جدة التاريخية لقائمة التراث العالمي (اليونسكو)
الأربعاء 27 شعبان 1435هـ ـ الموافق 25 يونيو 2014
 
 
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الإخوة أصحاب السمو الأمراء
معالي الوزراء
الحضور الكرام من أهالي جدة الغالية الحبيبة
 
ليس عندي كلمات مكتوبة، وإنما هي خواطر أقدمها لكم، فالشكر لله سبحانه وتعالى أن تحقق هذا المشرع الرائد بعد هذه السنوات الطويلة، وأحب في هذه اللحظة المهمة، بعد شكر الله سبحانه وتعالى أن أوجه شكرا خاصا لمن رحلوا، ومن بقوا من قادة هذه البلاد، ولسيدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ حفظه الله، رائد التراث الوطني، وسمو سيدي الأمير سلمان بن عبد العزيز ولي العهد.
 
إننا ننظر لهذا المشروع اليوم من منظار جديد، بأن هذا المشروع يتزامن مع مشروع تاريخي أقره المقام السامي الكريم باسم مشروع الملك عبد الله للعناية بالتراث الحضاري للمملكة العربية السعودية، وصدر فيه قرار مجلس الوزراء الموقر قبل أسابيع قليلة. وجدة التاريخية تحظى بهذه العناية تحت مظلة هذا المشروع الوطني الكبير، الذي تتعدى ميزانيته أكثر من خمسة مليارات ريـال في السنوات الثلاث القادمة إن شاء الله.
 
ورائد التراث الوطني، سيدي خادم الحرمين الشريفين ـ يحفظه الله، يتابع دقائق وتفاصيل قضايا هذا التراث العظيم، هذا التراث الذي نُسي إلى حدّ كبير، من المواطن في زخم التنمية، ونسينا أن بلادنا العظيمة نشأت على منظومة من القيم، وهذه القيم كان لها مسارات تاريخية مهمة توجها هذا الإسلام العظيم.
 
جدة التاريخية لم تأت من فراغ، ولم تأت كمشروع تنموي، ولكنها حقيقة مشروع يقع في قلب التراث الحضاري الوطني، والتكوين الثقافي الوطني، وكون هذه المنطقة نشأت أساسا لخدمة أقدس بقاع الأرض، وأصبحت هي المدخل الأول لمكة المكرمة والحرمين الشريفين، ومن الطبيعي أن تحظى بهذه الأهمية الخاصة، وفي هذا الوقت بالذات.
 
سمعت من قال إن جدة التاريخية قد تأخر انضمامها للمواقع العالمية، ونحن نُريد من الناس أن تعرف دائما التفاصيل المهمة التي تُصاحب عملية الاعتراف، وهذا ما حصل لجدة التاريخية، الاعتراف بها كموقع ذي قيمة عالمية. وهذا الاعتراف لا يأت من فراغ، أو من طلب تقدمه دولة، والهيئة العامة للسياحة والآثار مرّت بمراحل ـ حتى قبل استلام قطاع الآثار والمتاحف ـ من خلال العمل مع مجلس الوزراء الموقر على إقرار مبدأ التسجيل في مواقع التراث العالمي، وهذا المسار أخذ أكثر من خمس سنوات للأمور القانونية، والتشابكات المتعلقة بالسيادة الوطنية وغيرها، ثم بدأت الهيئة بتقديم أكثر من 21 موقعاً، وعرفنا أن الأفضل لنا التركيز على أهم ثلاثة مواقع يُمكن تسجيلها، وكانت مواقع الدرعية التاريخية وجدة التاريخية ومدائن صالح. ومن يقول إن جدة التاريخية قد جُعلت في مرتبة معينة، أو سبقتها مرتبة أخرى، فلا بد أن يُلاحظ أن أول موقع سُجل كموقع للتراث العالمي، كان موقع مدائن صالح، لم يكن موقعاً له تاريخ إسلامي، أو تاريخ في الدولة، أو تاريخ في هذا الإطار، سوى أنه موقع جاهزيته كانت عالية، وكانت أسبقيته من ناحية التجهيز، ثم تبعته الدرعية التاريخية بمثابتها عاصمة الدولة السعودية الأولى، وكان هناك تكوين قيادي وجهات تعمل، وهو ما لم يتيسر لجدة التاريخية. المرحلة التي تلت أن جدة التاريخية قُدم ملفاها لليونسكو وتم دراسته، ولم ترفض اليونسكو الملف، وأنا دوري اليوم بعدما أتكلم مع الجميع كلام واضح، وتم فيه تقديم جميع العناصر التي يجب ألا أكررها لتصحيح المعلومات، أن ملف جدة التاريخية لم يتم رفضه في السابق، وأن سحب الملف كان بقرار مني، أنا رئيس الهيئة، لأن تقديم الملف كان فيه مخاطرة وإذا تم رفضه فلا يُمكن إعادته لليونسكو أبدا، وكانت جدة التاريخية في ذلك الوقت لا تحظى بأمانة، رغم أنها كانت تحظى بدعم قوي وكبير، وأنا أذكر من أيام سيدي الأمير ماجد بن عبد العزيز ـ رحمه الله، كنا نعمل على مشروع الملك عبد العزيز قبل هيئة السياحة، وهذا الكلام من فترة طويلة جدا، ثم سيدي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز ـ رحمه الله، وهو من قال للمهندس عادل فقيه، وهو حي يُرزق، قال له نعمل كما يُريد الإخوان في هيئة السياحة حتى نُحقق حلم جدة التاريخية. ولكن أمانة جدة لم تكن مركزة بشكل كامل على هذا المشروع، حتى أتى صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل ـ يحفظه الله، وأتى هذا الرجل، المهندس هاني أبو راس، أمينا لجدة التاريخية، وهذا المهندس زميل رحلة بدأت منذ ثلاثين عاما في حارات جدة التاريخية، وتحت الأنقاض، وأنا مستعد اليوم لأخذ الجميع في جولة أنا أقوم بها لتعريفكم بجدة التاريخية.
 
والواقع أن هذا الإنجاز قصة بطولات للكثير من الناس، وحرصت اليوم أن أتكلم وأقول أن عمدة جدة التاريخية، هذا الرجل النبيل، الذي وقف هذه المواقف المشرفة، وكبار السن والشباب والأخوات اللائي حرصن على الحضور معنا اليوم، ومن هذه اللحظة لا بد أن نقول إن جدة التاريخية لم تُقدم وتُرفض أبدا، بل تم سحب الملف، وتم إعادة التركيز في العمل بصورة دؤوبة، ومكثفة لمدة سنتين، وتم إعادة تركيب اللجنة الإشرافية، وهذا الرجل، الأمير مشعل بن ماجد بن عبد العزيز، الذي كان الجسر مع السلطات المحلية، ويعود إليه الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في فكرة ومتابعة مهرجان جدة التاريخية. ثم أتى هذا الأمير الصديق الشاب المتحمّس، الأمير مشعل بن عبد الله بن عبد العزيز، ويمكن أقول قصة، وملف جدة التاريخية ـ والإخوان يذكرون هذا الأمر، حيث جاءني الدكتور مشاري النعيم وبعض الإخوان وطالبوا بسحب الملف للمرة الثانية، وقلت لهم إن ملف جدة التاريخية إذا تم سحبه مرة ثانية فلن تقوم لجدة التاريخية قائمة، ونحن جشعان، وهذا الوطن تكوّن من مواطنين شجعان، وعندهم نظر، ويعملون بجد، ولن نسحب هذا الملف، ويُحسب علينا لو لم يُسجل الملف لا قدر الله، وحتى الأسبوعين الماضيين كان هناك احتمالات كبيرة على عدة مواقع مقدمة من الدول العربية كانت هناك عدة تكتلات، لكن عمل الزملاء ومنهم الدكتور علي الغبان، وهو نائب الرئيس لقطاع الآثار، والمهندس العيدروس وزملاؤه الذين عملوا بجد، وباتصالات هاتفية بشكل مستمر، ومع سمو الأمير مشعل بالهاتف، نتابع هذه العملية، وأن اعتزازنا بجدة التاريخية، وبتراث الحجاز العظيم، هو اعتزازنا بهذا التنوع الحضاري والتراثي في بلادنا، ومن يقول اليوم إن هذه الأمة قامت على تراث واحد، أو على ألوان موحدة، أو لون واحد، أو على خلفية تاريخية واحدة فهو مخطئ، هذه البلاد قيمتها الحقيقية، والتي نعيش في كنفها في أمن واستقرار واطمئنان، بلاد تراثها متنوع، ومواطنيها لديهم خلفيات تراثية عظيمة، ولذلك هذا التراث في هذه المنطقة أيضا هو جزء ومكوّن أساس من هذه الدولة، وهذه حقيقة هي تعليمات سيدي خادم الحرمين الشريفين ـ يحفظه الله، في مشروع الملك عبد الله للتراث الحضاري، بألا نُلغي تراثنا المتنوع، بل نُحافظ عليه ونُعززه، وأن المواطن عندما تأتي الدولة وتتعاون معه في المحافظة على تراثه سيزيد انتمائه ويقوى انتمائه لوطنه المملكة العربية السعودية.
 
الآن، المرحلة القادمة هي مرحلة العمل المكثّف، وسمعتم من أخي معالي الأمين على هذا المشروع الرائد أنه مشروع يحتاج إلى عمل، والحمد لله بدعم من سيدي خادم الحرمين الشريفين ـ يحفظه الله، ومتابعة سمو سيدي ولي العهد، وسمو الأمير مشعل أمير المنطقة، وسمو الأمير مشعل بن ماجد، ونحن الآن نرى التدفقات المالية قد بدأت، ونرى الحلول التي نعمل فيها الآن مع الملاّك، ودور الملاّك أتى الآن للعمل معنا بتضامن، ودور الأوقاف بحمد الله فيه تضامن كبير جدا، وكل المسارات التي أتمنى أن توضع وتُنشر حتى يعرف المواطنون مسارات جدة التاريخية، وكلها انتظمت بحمد الله، والآن جاء دور العمل.
 
ولا يفوتني أن أذكر أنه بالتزامن مع مشروع جدة التاريخية، الذي أُعلن يوم أمس، أن مجلس الوزراء الموقر وافق اليوم أيضا على قرار تاريخي، وهو نظام جديد بعد النظام السابق الذي مرّ عليه حوالي 50 سنة، نظام جديد للآثار والمتاحف والتراث العمراني، لأول مرة في تاريخ المملكة، وهذا النظام صدر من مجلس الوزراء بعد أن تم تداوله لأكثر من تسع سنوات، ومفاوضات متواصلة مع كل الجهات الحكومية ومجلس الشورى، وصدر اليوم بحمد الله، وهذا النظام سيحكم جميع العناصر المتعلقة بتراثنا الوطني، وبالأخص التراث العمراني الوطني، الذي كان حقيقة غير منظم وغير محمي أساسا.
 
في هذه اللحظة التاريخية المهمة أُريد أن أضيف أيضا شكرا خاصا للجهات المحلية في جدة التاريخية، ولرجال الأمن ورجال الدفاع المدني، الذين لا يُمكن أن ننساهم، وأقول باسم سمو أمير المنطقة وسمو المحافظ، أن عصر الحرائق المفتعلة في جدة التاريخية قد انتهى، وأن الدولة، وأعينها منتشرة، وأن الدولة سوف تضرب بيد قوية على كل من تسوّل له نفسه أن يُخرّب، لأن التخريب أصلا لا يُفيد، وأن البناء سيتم كما هي المواصفات الأساسية والخاسر الحقيقي هو الذي يُخرّب.
 
نحن في الدولة سنعمل، وهناك أنظمة ستصدر للتمويل، ونُريد من الملاّك أن يجدوا فيها الخير الكثير، وهذه الدولة دولة خير، ونُبشر الملاّك ونحن في اجتماعات معهم ومع الشيخ صالح كامل وغيرهم قبل أسبوعين، والدولة ستعمل معهم حتى يكون الملاّك أكبر المستفيدين إن شاء الله. واليوم نستطيع القول إنها إن شاء الله إعادة بداية قلب جدة إلى قلب مواطني هذا الوطن، وليس فقط جدة التاريخية. وإن كان الدكتور زياد قد قال إن العريس هو المجتمع الدولي، أنا أقول إن العريس هو المواطن السعودي، والمجتمع الدولي يكون شاهدا من الشهود.
 
شكرا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.