كلمة سمو رئيس الهيئة في منتدى التنافسية السعودي 2014

  • Play Text to Speech


كلمة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان
رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار
الاثنين 19 ربيع الأول 1435هـ الموافق 20 يناير 2014
 
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
 
أبدأ بشكر خاص لزميلي معالي محافظ هيئة الاستثمار، الدكتور عبد اللطيف، وأشكركم على دعوتنا للمشاركة معكم اليوم في هذا الملتقى المهم. لقد سعدت بزيارة المعرض، ونتطلع إن شاء الله لاستمرار المعرض كل سنة، وأن تكون الهيئة العامة للسياحة والآثار المشارك الأكبر في المعرض القادم بإذن الله.
 
 
أود أن استهل حديثي بأن أرحب بكم جميعا في بلدكم الثاني، وأخص الإخوة والأخوات زوّار المملكة العربية السعودية ، إننا نركز اليوم على قضية السياحة من خلال مسار التنافسية. وتعلمون أن الدولة قد أعلنت وبدأت منذ سنوات في خطوات جادة لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني، وهناك خطوات كبيرة قادمة لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني بالكامل ليتناسب مع المرحلة. والمملكة اليوم ـ كما قال زميلي معالي وزير المالية ـ إنها تقوم بأعمال كبيرة جدا، وأيضا تحتل موقعا كبيرا في مكانة التنافسية بين الدول، والحق أن المملكة العربية السعودية أحق بأن تكون قادرة على احتلال مكانة متقدمة، بل من الأماكن المتقدمة جدا في موضوع التنافسية، لعدة أسباب، وهذه الأسباب فيها جزء يتعلق بالاقتصاد الوطني بشكل شامل، وتركيزي على الأسباب المتعلقة بتنافسية السياحة الوطنية على المدى القصير والمتوسط.
 
 
وقبل أن أتحدث عن النفط في المملكة العربية السعودية،  وإمكاناتها الاقتصادية والمالية، ومخزونها الهائل من الموارد الطبيعية، أود أن أتحدث عنها كأرض وشعوب وتاريخ، فهذا الجزء من العالم كان ولايزال مكانا لتقاطع الكثير من الحضارات العالمية، وأيضا من اقتصادات العالم، بل إن معرض المملكة العربية السعودية، الذي يطوف العالم، وتم افتتاحه في هيوستن قبل فترة قصيرة باسم (طرق التجارة في الجزيرة العربية)، يدل على أن تقاطع طرق التجارة في هذا الموقع الجغرافي المهم قد بدأ منذ آلاف السنين، وأن استقرار الحضارات الإنسانية، بل الحضارات التي سبقت ذلك حصل بسبب أن الجزيرة العربية كأرض وجغرافيا وموقع استراتيجي على خريطة العالم، وهذه هي الميزة الأولى التي تجعل هذه البلاد محطّ الأنظار ومحطّ الاهتمام بالاستثمار والاقتصاد. وفي الوقت نفسه هناك من الممالك التي نشأت في الجزيرة العربية طوال آلاف السنين الماضية، والهيئة العامة للسياحة والآثار كما تعرفون تنشط بشكل كبير جدا في عمليات الاستكشاف والتنقيب، ويعمل الآن أكثر من 30 فريقاً دولياً ومحلياً يشتركون في اكتشاف مواقع جديدة، وهناك استكشافات هائلة أُعلن عنها، وهناك استكشافات أكبر لم يُعلن حتى الآن، وهي تحت التحقيق حاليا. وكثير من مناطق الجزيرة العربية، في الجنوب والشمال والوسط، التي تقاطعت عليها طرق التجارة والتصدير والاستيراد، والعوامل التي كانت في السابق كانت في وقت من الأوقات، كما قال كثير من المؤرخين والخبراء بأنها كانت محور اقتصاد العالم، بل إن تيماء في شمال المملكة العربية السعودية، وهي منطقة غنيّة بآثارها وإمكاناتها الطبيعية، قد سُميت يوما من الأيام من أحد روّاد التاريخ غير السعوديين، بأنها نيويورك العصر القديم، ولذلك نحن ننظر لتنافسية المملكة من موقعها الجغرافي الذي لا يتغيّر، والذي يُعتبر ميزة مستمرّة وكاملة طوال الأبد إن شاء الله.
 
 
كما أن استثمارات الدولة في البنية التحتية التي بدأت منذ تأسيس هذه الدولة وتزايدت وتعاظمت مع تزايد المداخيل وتزايد الإمكانات المادية، وعندما نرى الجانب التاريخي أو ما يتم الآن على أرض الواقع، وأنا متأكد أنكم استشعرتم جزء من هذا العمل، أنها استثمارات هائلة جدا وغير مسبوقة في أي مكان آخر، لإعادة تشكيل بنية البلاد التحتية بما يشمل جميع ما يتعلق بتطوير وما تحتاج إليه السياحة الوطنية من تطوير.
 
 
ومحدثكم كمسؤول عن قطاع السياحة والتراث الوطني، نشعر بالسعادة بما صدر من الدولة بتوجيهات سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ يحفظه الله، من قرارات مهمة جدا، فقد صدر أكثر من 27 قرار في مدى الفترة القصيرة الماضية، ولعل أهم قرار صدر في اجتماع مجلس الوزراء الموقر الأسبوع الماضي، بالموافقة على مشروع الملك عبد الله للعناية بالتراث الحضاري للمملكة العربية السعودية، وقرار دعم السياحة الوطنية، وهذه القرارات صدرت بعد فترة من الزمن خلقت الاطمئنان لدى قيادة الدولة ولدى المؤسسات والمواطنين بشكل خاص، بأن السياحة الوطنية هي قطاع اقتصادي كبير جدا، وقطاع مولّد أساس لفرص العمل. بل لعلي استعير كلمات معالي وزير العمل التي ردّدها العام الماضي في الاجتماع السنوي للهيئة العامة للسياحة والآثار، وقبل فترة شهر ونصف تقريبا من افتتاح أول كلية من كليات التعليم المهني المختصة بالسياحة والفندق الملحق بها، بأن قال معاليه، وهو رجل جاء من القطاع الخاص، وكان يُشرف على مهرجانات جدة، ثم كان رئيسا للغرفة التجارية، بأنه بعد دراسة جميع القطاعات واستطلاع الدراسات المحلية والتي أتت من خارج المملكة، والنظر في جميع الأبعاد المتعلقة بتطوير فرص العمل، بأنه يرى ـ كوزير للعمل ـ بأن قطاع السياحة الوطني قد يكون أهمّ قطاع مولد لفرص العمل مستقبلا على الإطلاق. ولذلك الدولة وعت أن هذا القطاع، وإن توجهنا أن يكون منافسا، ولكن أيضا المنافسة مربوطة بأن يكون محققا لنتائج اقتصادية على المستوى المحلي، نتائج المردود والدورة الاقتصادية المحلية، وفتح الأبواب للمستثمرين بشكل كبير جدا، وكذلك توفير فرص العمل.
 
 
من الدلائل الأساسية التي جعلت هذا القطاع قطاعا مهما ومنافسا أن هذا القطاع الذي استمرّ فترة طويلة دون دعم حقيقي، كما يحصل للقطاعات الأخرى المنتجة في المملكة مثل الصناعة والزراعة، أن القطاع السياحي اليوم يُعتبر ثاني قطاع مسعود في الاقتصاد الوطني، وهذا مؤشر على إقبال المواطنين على الاستثمار والعمل في قطاعات السياحة الوطنية بتشعبها، والمشمولة بقطاع تقديم الخدمات بشكل أساس. ولذلك نحن نقول دائما إن على من يُصرح من مسؤولي الدولة بأرقام فرص العمل أن يُرفق معها كلمة (للسعوديين)، فنحن في المملكة العربية السعودية، بحكم عدم وجود المضاف الضريبي الذي تتبعه الدول الأخرى ويحقق مردودات عالية جدا من خلال الضرائب، فنحن نهتمّ في المملكة العربية السعودية وبحكم التوسع السكاني الكبير ومن فئات الشباب خاصة، بأن القطاعات المدعومة من الدولة يجب أن تردّ بإنتاج وظائف حقيقية ووظائف مستقرّة للمواطنين.
 
 
أود أن أركز على ما فعلت الدولة، ممثلة في الهيئة العامة للسياحة والآثار وشركائها، وأنا أشير لكلمة شركائها، لأن الهيئة حقيقة مكوّنة من ثلاث عشرة وزارة حكومية بمستوى وزراء، ونواب وزراء، ووكلاء وزارات، ومجموعة سبعة أشخاص من القطاع الخاص، يقودها الجهاز الإداري الذي بدأ تجهيزه وتهيئته من الصفر منذ العام 1421هـ، حتى يتحوّل إلى جهاز فاعل معروف ويؤدي ويعمل بأسلوب مختلف تماما، وبأسلوب تنافسي أيضا، ولذلك قامت الهيئة منذ بداياتها بالنظر إلى هذا القطاع المعقّد والمتداخل مع عشرات القطاعات الأخرى، والأجهزة الحكومية الأخرى، ولكن الأهم المتداخل مع المجتمعات المحلية من خلال قبول الناس للعمل وتقديم الخدمات أو استقبال الضيوف.
 
 
كما عملت الهيئة أيضا على تحويل النظرة والقبول للقطاع السياحي، ولعل من أهم إنجازات الهيئة إذا أردنا أن نقولها من باب الإنجازات، هو تحويل وجهة نظر المواطن وقبول المواطن وأجهزة الدولة وأمراء المناطق بشكل متكامل ـ إن شاء الله، والدليل على ذلك صدور قرارات الدولة الكبيرة خلال الأسبوع الماضي، نحو الإيمان بأن هذا قطاع اقتصادي محترم، وقطاع مهم للاقتصاد الوطني، والأهم أنه قطاع مهم جدا للوطن ولحياة المواطن ولإعادة ربط المواطن ببلاده وتاريخ بلاده، ولأن تنشأ أجيال جديدة تكوّن ذكريات في بلادها من خلال تمكين الوصول وتهيئة المناطق والمواقع والوصول بالشباب والعوائل إلى هذه المناطق، فلا يُعقل أن نستمر كمواطنين في السفر، وقد يكون الآن نحن في الجيل الثاني الذي لم يُكوّن ذكريات حقيقية في بلاده كما صار في جيلي، لأن عدم وجود الخدمات والمنافسة على هذه الخدمات، ولذلك بالنسبة لنا التنافسية هي لتهيئة قطاع السياحة الوطني وتطويره بشكل كامل وعميق ليُمكّن المواطن ـ ما يزيد على أربعة ملايين مواطن سنويا ـ من صرف جزء من مخصصاتهم المالية للإجازات ومن إجازاتهم في وطنهم، بشكل تنافسي، وبشكل يُقدم أعلى درجة من الجودة وبنفس الجودة والخدمات والترحيب الذي يلقاه المواطن في دول أخرى.
 
 
قامت الهيئة منذ بداياتها بعملية كبيرة جدا وغير مسبوقة في تطوير الاستراتيجية الوطنية التي أقرتها الدولة في عام 2005، وقد شارك في هذه الاستراتيجية أكثر من سبعة إلى ثمانية آلاف مواطن من الصغار والكبار، والنساء والرجال المتعلمين، وأصحاب القرى وأصحاب المدن، والخبراء ومسؤولي الدولة وغيرهم، ضمن برنامج شراكة متكاملة أقره مجلس إدارة الهيئة العامة للسياحة والآثار في الاجتماع الثاني برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز ـ رحمه الله، رئيس مجلس إدارة الهيئة آنذاك، ولا زلنا نعمل تحت برامج الشراكة بشكل وثيق. وأنا أعتزّ بالتحول الذي حدث في هيئة الاستثمار، ونعمل حاليا تحت اتفاقية مشتركة ملزمة ومنظّمة وسلسة في تطوير الكثير من المسارات التي ستسمعون عنها اليوم، وفي المستقبل القريب إن شاء الله.
 
 
لقد عملت الهيئة العامة للسياحة والآثار على تنظيم عشرات من القطاعات القائمة التي كانت غير منظّمة والتي نُقلت للهيئة في فترات متفرقة، وقد يكون من أهمها تنظيم الهيئة الجديد الذي صدر في عام 2009 بعد أربع سنوات من صدور الاستراتيجية، والذي فعلا يُعتبر الانطلاقة الأساسية والرئيسة للهيئة لأن تعمل في الميدان. ومن ضمن ذلك قطاعات أساسية نُقلت مع التنظيم الجديد، وهي قطاع الإيواء السياحي، وقطاع الاستثمار، وقطاع الآثار، ثم لاحقا قطاع الحرف والصناعات التقليدية الذي تسلمته الهيئة العام الماضي، وقطاع المعارض والمؤتمرات، الذي أيضا تسلمته الهيئة قبل عدة أشهر، ولاحقا قطاعات أخرى التحقت بهذه المسارات. وقامت الهيئة بسرعة التنفيذ فيما يتعلق بالإيواء، برنامج متكامل عملت فيه مع وزارة التجارة، وأنهت جميع مسوحات مواقع الإيواء والفنادق وتصنيفها، وهي عملية معقدة وطويلة، وما أن تسلمت الهيئة قطاع الإيواء حتى تم إعادة تصنيف الفنادق الوطنية خلال ستة أشهر فقط، والآن نحن نعمل في مجال الشقق المفروشة السياحية، بتصنيف كامل من العمق، وتغيير درجاتها، ومع أن الهيئة أعادت تصنيف الكثير من الفنادق إلى الأسفل لكنها رفعت جودتها بالتعاون مع المستثمرين، ولم نعرف حتى اليوم ـ ولله الحمد ـ أن المستثمرين اشتكوا من هذه العملية، لأن الهيئة عملت معهم بشراكة متكاملة وبقرب، ويداً بيد، في رحلة تغيّر وتحول نحو الأفضل.
 
 
نحن نؤمن أن عملنا مع القطاع الخاص لا بد أن يكون عملا تعاونيا وتكامليا، لأن هذا العمل التكاملي غير التعسفي يُفيد المستهلك، فنحن في صفّ المستهلك، كما نحن في صفّ المستثمر أيضا، وفي الوقت نفسه تقوم الهيئة حاليا بعمليات كبيرة جدا، وبتغيير منهجية الترخيص وعلاقة المستثمرين بهذا الترخيص، فبدأنا برنامج تجريبي، وبدأنا في برامج الشقق المفروشة، والآن سيُعمم على عشر قطاعات تُرخص لها الهيئة، وهو برنامج التهيئة، فنحن نقوم الآن بفرض ـ حتى لو كانت الكلمة قوية بعض الشيء ـ لكن نقوم مع المستثمرين بربط الترخيص ببرنامج تأهيلي، ووجدنا أن كثيراً من المستثمرين لا يعرفون الصناعة التي استثمروا فيها، خاصة في الشقق المفروشة وغيرها، فالمستثمر يأتي يبني المبنى ويأجره لطرف ثالث، وكثير من الأحيان يكون طرف أجنبي، ويترك المجال فقط لاستحصال المدخول السنوي، وليس هناك علاقة تكاملية بين المستثمر والمنشأة، وطريقة تقديم الخدمات، مثل: الأمن وخدمة الزبائن وغيرها. هذا البرنامج سيُطبق الآن على كل ما يتعلق بملاّك المتاحف الخاصة، والمستثمرين في قطاعات الإيواء، والمستثمرين في قطاعات أخرى، مثل: منظمي الرحلات السياحية وشركات السفر والسياحة، وهذه تُعدّ أول تجربة تُفنذ في المملكة من هذا الجانب، وهي تجربة ستؤدي إلى رفع مستوى ربط المستثمرين ومعرفتهم للقطاعات التي يستثمرون فيها حتى يتوسّعوا ويكوّنوا شراكات ويُصبحوا مستثمرين ومديرين في الوقت نفسه.
 
 
إن الميزة الأساسية الإضافية للمملكة العربية السعودية، والتي نعتزّ بها جميعا، هي أنها مهد الإسلام وأرض الحرمين الشريفين، وهناك تدفقات هائلة من الناس تأتي للمملكة العربية السعودية كوجهة، ولا أقول وجهة سياحية، ولكن وجهة روحانية، ونحن في الهيئة عملنا على مستوى الدولة وتوجيهات قيادة الدولة، بالربط بهذه الميزة الكبيرة جدا، وما تقدمه الدولة من تأشيرات وتسهيلات، إلى ربط قطاع السياحة والقطاعات الأخرى بحكم الاختصاصات، فقمنا بترتيب كامل لعمليات الإيواء في مناطق الحرمين الشريفين، وإيواء المعتمرين والحجاج والإيواء المؤقت، ونعمل بالقرب مع وزارة الداخلية، ووزارة الحج والوزارات الأخرى على كثير من العوامل التي تسهّل هذا لربط بين المرافق والزوّار، وقمنا في هذا العام بالإعلان عن برنامج كامل لفتح باب سياحة ما بعد العمرة لأكثر من 65 دولة، وهذا البرنامج في توسع إن شاء الله بعد المرحلة التجريبية.
 
 
في ذات الوقت قمنا بتطوير القطاعات السياحية القائمة، وكانت قطاعات مشتتة في كثير من الجهات الحكومية، وبعد تحويلها إلى الهيئة قمنا بالعمل مع الجهات المختصة والحكومية وغيرها، ومع الجهات الأمنية وربط جميع هذه القطاعات تحت منظومة برنامج تطوير شامل، من ضمن ذلك شركات السفر والسياحة وغيرها، وبرنامج سعودة مبني على المدى الطويل. نحن نؤمن بالسعودة المرتبطة بعنصر التحفيز والربحية، ولذلك نُعطي المجال لنقل القطاعات، مثل: الإيواء وغيرها إلى أن تكون منافسة على مدى يستطيع أن نُساعد فيها المستثمر؛ لأن يكون منافسا، ولن نفرض عليه فقط من باب الفرض والقسر، وقد جدنا نجاحا كبيرا في هذا الأمر بحمد الله، ولكن في الوقت نفسه هناك قطاعات لم تكن موجودة أصلا، مثل قطاع مقدمي الخدمات، ومن ضمنهم منظمي الرحلات السياحية، ولم يكن هناك منظمون للرحلات السياحية سوى الخطوط السعودية، وبعض الأفراد، وقمنا بإعادة تطوير كامل لمنظمي الخدمات السياحية والتراخيص الخاصة بها.
 
 
وأنا  أسعد اليوم وأعتز بمواطنين يملكون قدرا عاليا من التميّز والجودة في الخدمة الوطنية، وهم منظمو الرحلات السياحية المرخص لهم حاليا، وكذلك بالمدربين والمموّلين، وأيضا قطاع الأدلاء السياحيين، وأنا واحد منهم.
 
 
اليوم أنا أدعو الجميع، بين وقت وآخر، وخاصة الشركات الموجودة، أن تنظم رحلات سياحية عن طريق منظمي الرحلات السياحية والأدلاء السياحيين، لأنك سترى نموذج للمواطنين الذين يعملون باحترافية عالية جدا في تنظيم هذه المسارات، بعد أن تلقوا الدورات المختصة والتمكين الذي يمكنهم من تقديم ما يليق بالمملكة العربية السعودية كبلد للحرمين الشريفين.
 
 
منا أن الميزات الاقتصادية الأخرى هي أيضا تُساعد وتمكن هذا البلد ومواطنيه؛ لأن يكون منافسا بأعلى المستويات فهم سكان الجزيرة العربية، وسكان المملكة العربية السعودية عبر التاريخ، وفئات سكان المملكة هم فئات مُنتجة، استطاعت أن تكوّن حضارات كبيرة جدا، وتحمي هذه الجزيرة العربية، وتدخل في المسارات السياسية والتحولات التاريخية بشكل قوي، ثم بحمد الله تحوّلت هذه الجزيرة العربية بعد الإسلام إلى عنصر مختلف تماما، فيه رابط الإسلام كدين موحّد للجزيرة العربية، ثم قامت هذه الدولة المباركة بجمع شمل هذه الثقافات المتعددة، وهي ميزة إضافية، وهذه الأمم التي تملك كل منها ميزات كاملة وكبيرة جدا، ويوحدها القدرة على العمل والجدّية، وأنا عندما أسمع عن أن المواطن السعودي غير جاد في العمل فأعتقد أنه إجحاف في حق المواطن السعودي، لأن المواطن السعودي عبر تاريخ الجزيرة العربية، وفي هذه الدولة بالتحديد، الذي استطاع اليوم، ونحن نرى الدول من حولنا مرتبكة وتعاني من مشاكل، لكن المواطن السعودي استطاع مع جميع التحديات التي تمرّ من حوله، أن يستمرّ في تماسك هذه البلاد بحمد الله، وفي تطويرها، والدليل هذا المنتدى الكبير الذي يتحدث عن التنافسية وعن التطوير الاقتصادي.
 
 
إن المواطن السعودي اليوم، كمثال بسيط، إذا رأيتم المعرض المقام اليوم أو المنشآت الاقتصادية والسياحية عبر البلاد وغيرها، ترى المواطنين السعوديين ـ وأنا أعني بكلمة المواطنين الرجال والنساء ـ أنهم يقومون بدور كبير جدا، وينافس المواطن السعودي اليوم وهو المطلوب أكثر في اختصاصات دقيقة جدا مثل الطب والطيارين والمهندسين في الدول الأخرى بعدما كنا نستورد منهم، ولذلك هذه ميزة كبيرة جدا وهي المواطن السعودي المتقبل للعمل في القطاعات الاقتصادية والتنموية الجديدة، واستيعابه لهذه القطاعات بسرعة، وأنا شاهد على ذلك في القطاعات التي تُشرف عليها الهيئة.
 
 
الميزة الأخرى هي التنوع الثقافي في بلادنا، وتنوع تراثها ومنشآتها العمرانية، وغناها الطبيعي، وأيضا في مجال الآثار، فنحن مع ما اكتشفنا من آثار حتى الآن، نعتقد أننا لم نلامس حتى السطح، فهذه البلاد ـ كما قال بعض الأثريين المهمين وبعض الخبراء الذين يعملون معنا ـ أنها تعتبر محور ارتكاز على مستوى الآثار والحضارات العالمية، ولذلك نحن في المملكة العربية السعودية ننظر إلى هذا البعد ـ البعد الحضاري ـ على أنه بعد أصيل وهام من ضمن الأبعاد الأربعة المكوّنة لبلادنا، وهو البعد المغيّر، والآن انطلق هذا البعد بشكل قوي على مستوى المشاريع ومستوى الارتباط مع المواطنين، وضخّ البرامج التعليمية والتوعوية، بالإضافة إلى بعد المملكة العربية السعودية الديني الإسلامي، والبعد الاقتصادي الكبير، والبعد الدولي السياسي، يُضاف إليها اليوم البعد الحضاري كبُعد مكوّن أساس، وبعد مساند للاقتصاد الوطني، وهذه أيضا إضافة للميزات الجديدة التي نتطلع لأن تفتح الأبواب نحو جعل هذه الوجهة الكبيرة، وجهة بمستوى مختلف عن المستويات العالمية.
 
 
نحن ننظر إلى المملكة العربية السعودية ليست كوجهة سياحية فقط، لكنها وجهة روحانية وحضارية، وفي الوقت نفسه وجهة اقتصادية وسياحية. وفي هذا المجال عندما أعلنت الدولة تسليم الهيئة برنامج لمدة خمس سنوات لإعادة تطوير قطاع المعارض والمؤتمرات، نحن نعرف أن قطاع المعارض والمؤتمرات يُعتبر من أهم القطاعات الفاعلة على الاقتصادات العالمية اليوم وعلى خارطة العالم، ولذلك نحن ننظر إن شاء الله، وقد أعلنا ذلك، أن برنامج المعارض والمؤتمرات ـ بالإضافة إلى مدن المعارض والمؤتمرات الجديدة التي سيتم إنشاؤها مع شركائنا في صندوق الاستثمارات العامة والمستثمرين، أنها ستحوّل هذه الصناعة إلى صناعة كبيرة جداً، تُساهم في الضخ الاقتصادي الوطني، وفي تشغيل المنشآت ومقدمي الخدمات، وتطوير هذا النشاط والحدّ من تسرّب الأموال والمواطنين السعوديين نحو المعارض والمؤتمرات المحيطة.
 
 
نحن ننظر أيضا إلى تطوير عدد من المسارات من ضمنها مسار المؤتمرات والمعارض والسياحة الصحية والسياحة الزراعية والسياحة الريفية وإلى آخره، وقد تم ـ في الورقة التي أمامكم ـ عدد من الاتفاقيات للتمويل مع بنك التسليف بالنسبة لبرامج القرى التراثية، وهذا البرنامج فيه تطوير كبير جدا ومسارات جديدة، ومع البنك الزراعي في تمويل الفنادق الريفية، وتحت الإنشاء الآن أكثر من 12 منشأة ريفية، وأيضا تم إنشاء شركة للدولة وهي شركة الفنادق والضيافة التراثية، والآن ستُطرح للقطاع الخاص في الشهر القادم بإذن الله، كما وجّهت الدولة بإنشاء شركة وطنية متخصصة قابضة، وهي الآن في مراحلها النهائية مع صندوق الاستثمارات العامة، لتكون شركة قابضة تبدأ في تطوير المواقع السياحية الكبرى والوجهات السياحية، وأول باكورة هذه الأعمال هي وجهة العقير السياحية التي عملنا فيها مع هيئة الاستثمار وقاربت على الانطلاق، وقد تمّ اكتتاب المستثمرين فيها بأكثر من ثلاثة مليارات ريـال في الفترة السابقة، ونتطلع إلى تطوير حوالي ثماني وجهات سياحية كبيرة جدا، سواء ساحلية أو جبلية وغيرها، ودراساتها خالصة الآن تحت مظلة هذه الشركة الجديدة التي سوف تعمل على المواقع وتُدخل وزارة حكومية بالأراضي تحت ملكية شركة، كما حدث في العقير لأول مرة في تاريخ المملكة، تأتي الشركة وتدخل أي من الوزارات الحكومية كمستثمر عيني مع صندوق الاستثمارات العامة.
 
 
نحن أيضا نتطلع إلى تنفيذ قرار مجلس الوزراء الموقر والاستعجال في تأسيس الشركات التي تُساهم فيها الدولة في مناطق المملكة، ونعمل الآن على قدم وساق مع وزارة البلديات، ونقوم حاليا داخل الهيئة بأكبر عملية إعادة تنظيم في تاريخ الهيئة، لإدخال العناصر الجديدة من الشباب وعمل تطوير للقطاعات، وسنُعلن خلال أقل من ستة أسابيع بإذن الله جميع المسارات المتعلقة بمشروع الملك عبد الله للتراث الحضاري، بما فيها المشاريع والمواقع وإلى آخره، وأيضا ما يتعلق ببرنامج دعم الهيئة في البرامج التي سبقت ذلك من قرارات الدولة الممكنة في هذا الشأن.
 
 
نتطلع لاستكمال هذه المنظومة، ومنها موضوع التمويل مع وزارة المالية ومع الصناديق التي وجهت بها الدولة، أن نقوم على تطوير برنامج التمويل الشامل، نحن نعتقد أنه ليس هناك إمكانية لتطوير السياحة الوطنية أو تحفيز المستثمرين للدخول في الاستثمارات الفرعية، في العقير أو غيرها من المشاريع، إلا بوجود برنامج تمويل يجعل السياحة منافسة للقطاعات المموّلة حاليا. الفرق هو أن السياحة الوطنية لم تعد بعد، وعدت لكنها أثبتت أنها مع ضعف التمويل وضعف التمكين والتحفيز لكنها قدرت على المساهمة في جذب المواطنين، الذين يُشكلون الآن تقريبا 30 في المائة من العاملين في مجال السياحة الوطنية، ولذلك نحن نؤمل مع ما صدر من الدولة من قرارات، وخاصة القرار الأخير، لإنجاز موضوع التمويل السياحي بشكل متكامل، ونأمل أن ترى الشركة الوطنية القابضة النور في وقت قريب جدا، وأن تبدأ في العمل على المواقع وتهيئتها، وتقديم البنية التحتية للمستثمرين، وأيضا نتوقع أن نُعلن قريبا عن علاقة تضامنية جديدة مع القطاع الخاص.
 
 
طبعا نحن أيضا قمنا بعمليات كبيرة وغير مسبوقة لإعادة تطوير قطاعات أساسية، بعضها لم يكن موجود أساسا، وبعضها احتاج إلى عملية تطوير عميقة جدا، مثل: تطوير قطاع الآثار والمتاحف الوطنية، الذي يشهد تطوير كبير جدا، ونبني حاليا ما يُقارب 17 متحف إقليمي كبير جدا، ونطور عشرات المتاحف في المواقع، ولكن في مشروع الملك عبد الله ـ يحفظه الله ـ سنُعلن عن منظومة كبيرة من عشرات المتاحف ومواقع الدولة الأثرية التي سيتم مباشرة وخلال أقل من ثلاث سنوات في فتحها وإعادة تطويرها.
 
 
نحن قمنا ونقوم الآن بعملية تطوير شامل لعلاقة المواطنين بالمتاحف، وجعل المتاحف جزء من حياة الناس وتعليمهم، بدلا من أن تكون مستودعات للآثار وبعضها آثار غير أصيلة. نحن أيضا قمنا بإنشاء قطاع جديد كان مغيّب وكان يُعاني من الاندثار، وهو قطاع التراث العمراني الوطني، وشهدت قبل أيام احتفال مهرجان جدة التاريخية، الذي أعلن فيه المستثمرون والغرفة التجارية عن تطوير صناديق والدخول مباشرة للاستثمارات في هذه المواقع، وأحب اليوم أيضا أن أؤكد أننا في الرياض، وقريب من الرياض هناك عدد من مواقع القرى التراثية التي شارفت على التطوير والترميم بمساعدة العديد من الجهات، مثل: البلديات والنقل والمياه والكهرباء والشؤون الإسلامية، وأيضا من مشاركة بنك التسليف، وأصحاب هذه القرى، وحصلوا على القروض واستثمروا فيها، ونرى أن هذه المواقع بالاشتراك مع المواقع الأخرى ستؤدي إلى نشوء فرص عمل تُخفف وتُقلل، أو تحد من هجرة المواطنين نحو المدن الكبرى.
 
 
كما أن الهيئة تقوم الآن بدراسة بالاشتراك مع وزارات الداخلية والاقتصاد والبلديات والعمل ووزارات أخرى، ومنظمة السياحة العالمية ومنظمة العمل الدولية، وهي دراسة رائدة عن نظرة في السياحة ومجالات التراث الوطني التي يُمكن أن تُنشأ على المستوى المحلي. نحن نعتقد أن قوّة السياحة كقطاع اقتصادي على مستوى العالم هو إنتاج فرص العمل على المستوى المحلي، ولجميع الفئات، سواء المتعلمة أو غير المتعلمة، نساء ورجال كبار في السن أو الصغار، وهي ميزة إضافية لهذا القطاع الكبير، لذلك نحن نركز الآن على تطوير عملياتنا مع شركائنا على المستوى المحلي، ونحن نعمل حقيقة الآن في عشرات المواقع والقرى التاريخية، وأكثر من 14 من أواسط المدن التي أُعلن عنها قبل فترة، ومن ضمنها الطائف التي حصلت على أكثر من 100 مليون ريـال هذا العام لتطور وسط الطائف التاريخي، ووسط عسير الذي حصل على 700 مليون ريـال لنزع الملكيات لإعادة تطوير وتشكيل هوية وسط أبها، وأيضا مشروع الرياض الكبير الذي كان حلما لأناس مثلي قبل 25 سنة، تطوير منطقة الظهيرة وسط الرياض، الذي تسلمته هيئة تطوير الرياض مع الهيئة العامة للسياحة والآثار. نحن نرى أن تطوير أواسط المدن يُمثل عنصرا مهما جدا للذات الوطنية والروح الوطنية، وعنصر اقتصادي مهم جدا يدعم الجاذبية ويدعم المستثمرين.
 
 
هناك أرقام منشورة أمامكم في الأوراق التي تم توزيعها، وأيضا موقع الهيئة العامة للسياحة والآثار يشمل معلومات كثيرة، منها مشروع (تكامل)، وهو برنامج وطني كبير مع التعليم الفني ووزارة العمل وصندوق الموارد البشرية لتطوير فرص العمل للمواطنين والمستثمرين، وهذا البرنامج الآن تم تتويجه بافتتاح أول كلية ملحق بها فندق في الرياض، وإن شاء الله سيتم عملها في المدينة المنورة والطائف والكثير من المدن تأتي هذا العام. نحن أيضا نُحدث نقلة في مفهوم المواطنين لفرص العمل، ونجد اليوم مثل هذا الفندق وغيره.
 
 
أختم بالقول إن فرص التنافسية في السياحة الوطنية فرص هائلة، تتماشى مع الإمكانيات التنافسية للمملكة العربية السعودية كاقتصاد، وأنا ذكرت الكثير منها لكن قد أقول إن الميزة الإضافية التي تتمتع فيها السياحة السعودية هي المواطن السعودي وحبه للضيف والضيافة، ومن يسمع عن مواطني هذه البلاد من بعيد لا يعي أن هذه البلاد هي منظومة من المواطنين المحبيّن، أولا لدينهم واحترامهم لهذا الدين العظيم وأخلاق هذا الدين العظيم، ومحبين لبلادهم، ومحبين للضيف، وحتى الآن وطوال حياتي في المملكة العربية السعودية، وأنا أتنقل بشكل مستمر، لم أر مكان ولا أقول لي شخصيا كصديق للناس، ولكن كشخص يعرف كثير من غير المواطنين السعوديين، من ذهب إلى أنحاء المملكة ولم يقل أنا أكثر ما شدّني هو ترحيب المواطن السعودي وحبّه للضيف، وهذه حقيقة ميزة كبيرة جدا.
 
 
كما لا خفى على أحد ميزة الأمن في المملكة العربية السعودية، ونحن نرى ما حولنا من أحداث وتزعزع أمني كبير جدا، لا بد أن أُشير بكل اعتزاز بقيادة هذه البلاد، وما تقدمه وحرصها على أمن هذه البلاد، ولولا هذا الأمن ـ بعد الله سبحانه وتعالى ـ لا يُمكن أن يقوم اقتصاد ولا يُمكن أن تُنافس ولا يُمكن أن تستقطب.
 
أنا شاكر لكم جميعا حسن استماعكم، وأعتذر عن الإطالة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
.+