كلمة سمو رئيس الهيئة في افتتاح ملتقى التراث العمراني الوطني الثالث - المدينة المنورة



كلمة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان
رئيس الهيئة العامة للسياحة والآُثار
في افتتاح ملتقى التراث العمراني الوطني الثالث ـ المدينة المنورة
الأحد 4 صفر 1435هـ 8 ديسمبر 2013
 
 
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
أخي صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان
أمير منطقة المدينة المنورة
معالي الإخوة الأفاضل والأخوات الكريمات
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
 
نسعد في هذه الليلة بأننا في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وأرض الإسلام المباركة، كما يسرنا اليوم أن نكون مشاركين في هذا الملتقى الثالث للتراث العمراني الوطني، ونرى هذه التحولات الهائلة تحدث أمام أعيننا وكأننا في حلم، ولذلك فقد اتخذ هذا الملتقى شعارا مستديما لجميع الملتقيات القادمة بإذن الله بعنوان (من الاندثار إلى الازدهار).
 
 
 أود في بداية حديثي أن أوضح أنه تقرر وبالتفاهم مع أمير المنطقة أن يكون الملتقى القادم في عسير إن شاء الله، ونيابة عن سمو أخي الأمير فيصل بن خالد أدعوكم جميعا لأن تهيأوا لأن نلتقي في مكان يعج بالتراث وبقصة هذا الوطن، وإحدى صفحات تاريخ هذا الوطن العظيم.
 
 
كما أرحب وأشكر أهالي المدينة المنورة، يتقدمهم أمير المنطقة، وزميلي وصديقي الدكتور خالد طاهر، الذي تربطني به علاقة امتدت لأكثر من عشرين عاما، ونعتز اليوم بأنه يخدم منطقته، كما خدمها والده أمينا للمدينة المنورة، وهو ينطلق بهذه المنطقة في هذه النقاط العشر وبتوجيهات من سمو أمير المنطقة.
 
 
أرحب أيضا بأحد أهم شركائنا، الدكتور الحنيشل رئيس بنك التسليف الذي كلف من الدولة بتمويل مشاريع التراث العمراني، ونتطلع إلى التوسع في التمويل في مجالات أكبر وأرحب. هذه المنطقة وهذه المدينة الغالية على قلوبنا جميعا كمسلمين أولا، وكمواطنين ثانيا ستعود لها شخصيتها العمرانية المعروفة على مر التاريخ، وكل ذلك يتم بتوجيهات من قيادة هذه الدولة، من سيدي خادم الحرمين الشريفين، ومن سيدي ولي العهد الأمين، بأن نعيد المدينة إلى مبانيها وحدائقها وتراثها، وأن تكون مدينة للمستقبل.
 
 
إن هذا التحول المشهود للتراث العمراني الوطني يأتي لتحقيق توجيهات وأوامر سامية للمقام الكريم، سمو سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ يحفظه الله، بأن نركز على الاعتزاز بهذا التراث العظيم، ونجعله جزءاً لا يتجزأ من قراءة تاريخنا الوطني، وملحمة توحيد بلادنا، هذه البلاد المستقرة المطمئنة المزدهرة التي تنطلق نحو المستقبل بهذه السرعة الهائلة في خضم هذا العالم المضطرب.
 
 
إننا نؤكد اليوم على العمل في مجال التراث الوطني بشكل عام، وموضوع البعد الحضاري كمحتوى ومظلة أساسية لموضوع التراث العمراني كأحد المسارات التي وجه فيها سيدي خادم الحرمين الشريفين، وبأن نعمل بسرعة كبيرة جدا، ونستشرف في العام القادم بإذن الله مزيداً من التمويل وتزايداً في الشركاء واهتمامهم.
 
 
الهيئة العامة للسياحة والآثار تعمل في مئات المواقع الممتدة في بلادنا الغالية الواسعة، وتعمل مع آلاف المواطنين وعشرات المسؤولين، وعشرات الجهات المتنوعة باختصاصاتها، وهي تعمل ضمن مشروع معقد وصعب، ولكنه مشروع قام على أساس الشراكة، ولولا الله سبحانه وتعالى ثم هذه الشراكة الممتدة عبر المواطنين والجهات الحكومية والقطاع الخاص لما تحقق الكثير من النتائج التي رأيتم جزءا يسيرا منها اليوم في هذا الفيلم، وقصة هذا العمل الكبير قمت مع زميلي الدكتور مشاري النعيم المشرف على مركز التراث العمراني الوطني في الهيئة، بتدوينه في مذكرات الطبعة الثالثة منها وعنوانها (سيرة في التراث العمراني) ونتأمل أن تنزل على الموقع غدا، وأن توزع النسخ الأولية اليوم، وهي قصة كبيرة جدا وتمتد لي شخصيا لأكثر من 27 عاما، ولذلك لم ينتج هذا النشاط وهذه الشراكات وهذه الإنجازات التي بدأنا نلمسها اليوم في يوم أو ليلة، ولم تنتج عن طريق مشروع نزل وانطلق في سنة، هذا مشروع تضامني وتعاوني مع المواطنين أولا، ومع الأجهزة الحكومية كافة ثانيا، ومع القطاع الخاص الذي انطلق الآن ثالثا.
 
 
وللمقارنة، فقد تحولت أجهزة البلديات، وكما سماها الأخ الدكتور حامد، هذا الصديق القديم، البلدوزرات، تحولت إلى أجهزة بناء، وللمقارنة قبل سنوات، دعا إلى أننا نذهب في رحلات الاستكشاف والتعلم مع شركائنا في البلديات ووزارة الداخلية والمحافظين والجامعات، إلى مناطق العالم لنريهم كيف تحولت المناطق المندثرة الخربة إلى آبار نفط، ومواقع مزدهرة، كما سترون غدا في العلا إن شاء الله، وترون بعد غد في ينبع، إلى مناطق تعج بالفرحة وبالتقاء المواطنين، ويحكي فيها التاريخ للإنسان قصة هذا الوطن وقصة اجتماع شمل المواطنين الذين جاءوا من جميع الأرجاء والثقافات والخلفيات المختلفة، فقد اجتمع شمل هذا الوطن منطلقا من هذه المواقع التي لا يجب أبدا في يوم من الأيام أن نسمح لأي كائن أن يزدريها أو يهدمها أو يحتقرها أو يعتدي عليها. ولذلك، المهمة القديمة التي كنا نكافح وننافح للمحافظة عليها كمجموعة صغيرة منهم الدكتور حامد وكثير منهم موجود معنا اليوم، أصبحت اليوم مهمة وطنية يقودها خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ يحفظه الله، ويسانده ولي العهد الأمين سيدي صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز رئيس دارة الملك عبد العزيز، أصبحت مهمة تشدد الدولة في الالتزام بها، وقريبا إن شاء الله وهذه بشرى سوف يصدر نظام الآثار الجديد بمسمى نظام الآثار والمتاحف والتراث العمراني.
 
 
ولذلك نحن كدولة ومواطنين، نعتز جميعا ونعمل جميعا كمشروع تضامني أصبح اليوم بدلا عن مجموعة صغيرة مهتمة بهذا الشأن، لقد أصبح اليوم الجميع مشاركا فيه.
وهذا الملتقى وإن اجتمع اليوم لاستعراض أهم منجزات الفترة السابقة، وإن شاء الله تطلعات الأعوام القادمة، كما يحتفي أيضا بالأهم وهو الذين عملوا على هذا الملتقى حتى وصل إلى هذا المستوى، وقد ذكر الدكتور حامد بأن العلا ليست جديدة علي، وقد زرتها مع والدي الذي غرس فيني وإخواني هذا الأمر، ولم أستغرب من سمو الأمير فيصل بن سلمان، وهو الدكتور المتخرج من أعرق الجامعات العالمية، أن يأتي إلى المدينة المنورة، وفي أول مكالمة لي، قال: إنني سوف أجعل صلب اهتمامي، وفي قائمة الأولويات الاهتمام بتراث المدينة المنورة، وهو لا يقوم بذلك إلا أن ثقافة الوطن وحب الوطن قد تأصلت فينا لأبناء هذه الدولة، وعشنا في بيت مؤرخ قبل أن يكون شيئاً آخر، وتنقلنا معه، ومن ضمن ذلك إلى المدينة المنورة ، والعلا بالذات. فأنا بفضل الله سبحانه وتعالى وقبل إنشاء هيئة السياحة ، زرت العلا كرئيس لمؤسسة التراث الخيرية، والدكتور زاهر رجل قدير عمل معي، وهو من أهل المدينة، وبحمد الله تعالى قمنا بترميم مسجد قائم الآن في العلا في الديرة التاريخية، ولا نقول قديمة من الآن وصاعدا، نقول القرى والمدن التاريخية، وهذا الكلام قبل سبعة عشر عام تقريبا، وتصور أن هناك من أتى ليقول لي إنه لا يجوز ترميم هذا المسجد لأنه يُقال أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى فيه، وطبعا ثبت بالدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُصل فيه، ولكني قلت لهذا الرجل: لو أنني متأكد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فيه لبعت كل ما لدي وأعدت بناء المسجد وألف مسجد حوله، وذلك قصتي مع العلا ليست قصة جديدة، وليس لي فضل في هذا الأمر، الفضل لله سبحانه وتعالى ثم لهذه الدولة التي وجهت بأن نقوم بواجبنا، ونحن نقوم بأقل من واجبنا الآن، ولأهالي هذه القرية من الأبطال وهم يتشكلون في جميع أنحاء المملكة اليوم، مئات الأبطال والمواطنين المخلصين الذين نهضوا قبل هيئة السياحة وقبل كل هذه المشكلات، وهذا الاهتمام الكبير، وهم يكافحون ليحافظوا على مواقعهم في الجنوب وفي الشمال وفي الغرب والشرق، وهي قصص عظيمة يجب أن تروى، وستروى إن شاء الله في الملتقى القادم.
 
 
نحن لا ننظر إلى مواقع التراث العمراني لأن نحولها إلى مواقع معاشة فقط، سواء لجيلنا أو جيل الدكتور حامد، بل الأهم من ذلك الأجيال القادمة، التي لا يُمكن أن تعيش في انفصام شخصية، ولا يُمكن أن تعيش وهي منفصلة عن تاريخ بلادها وتاريخ هذه الملحمة الوطنية العظيمة، فلا يُعقل أن نعيش في هذا البلد الآمن المطمئن المزدهر، البلد المحترم على مستوى العالم، البلد الذي يقود الحوار بين الأديان، والحوار العالمي بين الحضارات، أن نعيش في هذا البلد، بلد الكرم والأخلاق وقبل كل شيء بلد الإسلام، أن نعيش في انعزال تام عن ملحمة تكوين وتوحيد وتأسيس هذا البلد، وهذا هو الشيء الذي يحدث اليوم، ما يُقرأ في الكتب شيء، ولكن أن تعيش التجربة وتقابل أهالي بلادك وأهالي هذه المناطق كبارهم وصغارهم فهو شيء آخر.
 
 
ولذلك نحن الآن نعمل على أن نطلق خلال ملتقى (ألوان السعودية) الأسبوع القادم إن شاء الله، وهو برنامج وطني باسم (عيش السعودية)، وهذا البرنامج يهدف لانطلاق مليون طالب وطالبة إلى مواقع بلادنا التاريخية والتنموية وغيرها، حتى يعيش الشباب قصة بلادهم، ويحسوها ويشمون عبقها، ويعرفوا أن لديهم وطن تكوّن عبر ملحمة صعبة، وعشرات السنين من الجهد والعناء، واحتراما لهؤلاء الأجداد والآباء، فنحن نقوم اليوم بإعادة الحياة للمواقع التي انطلقوا منها في توحيد بلادنا، حيث لا يوجد مواطن اليوم إلا وساهمت أسرته وقبيلته وقريته ومدينته في بناء هذا الوطن، وبعد ذلك لا يُمكن اليوم أن يسمح لأيّ كائن، هذه توجيهات القيادة، بالتعدي ولو على طوبة واحدة في تراث هذا الوطن.
 
 
إننا نسعد اليوم بأن نلتقي في المدينة المنورة عاصمة الثقافة، وقبل كل شيء عاصمة الإسلام، وأنا أشكر نيابة عن الجميع كل الجهات التي شاركت معنا، كان في السابق عندما تهدم مواقع التراث العمراني تسمى (آيلة للسقوط)، وكانت تهدم المواقع بحجج فتح شوارع أو إنشاءات أو استثمار، ومن المفارقة أن البلديات فقط كشريك في العام الماضي أو في هذا العام صرفت وتصرف تقريبا مليار ريـال موجهة لمواقع التراث العمراني التي تعمل فيها مع الهيئة، وأنا هنا لا بد أن أُحيي وزارة البلديات على هذا الأمر.
 
 
كما تقوم وزارات النقل، والمياه والكهرباء، والشؤون الإسلامية، والمحافظات، متضامنة جميعا في تضامن فريد من نوعه للجهات الحكومية، بالحنو على هذه المواقع وتحويلها إلى مواقع مُعاشة كما قلت، موارد تاريخية وآبار نفط.
 
 
في الختام نُشير إلى أن التراث العمراني يأتي ضمن مظلة البعد الحضاري الوطني، ونحن نفخر أننا اليوم في المدينة المنورة ونسعد باهتمام صاحب السمو الملكي أمير المنطقة، وفريق المنطقة المتكامل، ونقول إن شاء الله على بركة الله، ونأتي العام القادم ويكون لدينا تقرير منشور بمسمى (تقرير التراث العمراني الوطني)، يُنشر ويُعلن عمّن ساهم ومن قام بمجهود، ومن افتتح مشاريع ومن قدّم تمويلا ومن قام ونهض من المواطنين للمحافظة على هذا الجانب.
 
 
من ضمن ما ذكر الدكتور خالد، أحب أن أذكر فقط، ولا بد أن يُنسب الفضل لأهله، والأخ فيصل أشار إليه قبل شهرين تقريبا، بأننا نُفكر في إطلاق مركز للتراث العمراني الإسلامي في بلد الإسلام المدينة المنورة، بالتعاون مع جامعة طيبة، وأوجه شكرا خاصا لمعالي وزير التعليم العالي ، ومعالي نائب وزير التعليم العالي الدكتور أحمد السيف ، ، ومعالي الدكتور مزروع مدير جامعة طيبة، وأبشركم أننا في هذا الصباح في حفل جامعة طيبة وتوزيع الجوائز، والحوار مع الطلاب قد أعلنا عن انطلاق مركز التراث العمراني الإسلامي في المدينة المنورة، وانطلق هذا المركز، وتم تعيين مديره وميزانيته، وبدأت مفاوضات الشراكة مع المنظمات الدولية، وهذا المركز سيتم تكوين هيئة استشارية للإشراف عليه، وأنا أطلب رسميا من سمو أخي الأمير فيصل بن سلمان أن يكون الرئيس الفخري لهذا المركز ورئيس اللجنة الاستشارية.
 
شاكرا ومقدرا اهتمامكم جميعا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.