كلمة سمو رئيس الهيئة في اجتماع وكلاء الآثار لدول الخليج العربية - المدينة المنورة

  • Play Text to Speech


كلمة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز
رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار
في اجتماع وكلاء الآثار لدول الخليج العربية ـ المدينة المنورة
الخميس 17 المحرّم 1435هـ الموافق 21 نوفمبر 2013
 
 
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
صاحب السمو الملكي أخي الأمير فيصل بن سلمان
أصحاب المعالي ...الإخوة الحضور ... الأصدقاء الأعزاء من دول الخليج
زميلي وصديقي العزيز والمعلم الدكتور الزيلعي والدكتور المزيني
 
 
إن الاجتماع في هذا المكان الطيب المبارك، في المدينة المنورة لا يمكن للإنسان إلا أن يتقبل الدعوة، ويأتي إليها برغبة ومحبة، ويتقبل أن يُشارك ولو مشاركة صغيرة مثل مشاركتي في هذا اليوم في أحد الفعاليات التي ترفع وتُعيد النظر في تاريخ هذا البلد العظيم الذي كان له ولايزال دورا كبيرا في الحضارة الإسلامية.
 
 
وأنا هنا أستحي أن أقبل كلمة محاضرة وأنا في عقر دار العلم والفكر وبين المحاضرين الذين يتعلّم منهم الإنسان، لكن أعتبر وجودي معكم اليوم هو مشاركة متواضعة حتى أستطيع أولا أن أرحب بكم في بلدكم الثاني المملكة العربية السعودية، وبلدنا جميعا المدينة المنورة، وأن أنقل لكم تحياتي سيدي صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس إدارة دارة الملك عبد العزيز، الذي أبلغني ظهر هذا اليوم أن أبلغكم تحياته وتقديره واهتمامه البالغ، وتوجيهاته لمعالي أمين الدارة الرجل النشيط الدكتور فهد السماري، بأن يكون هذا اللقاء مكتملا بجميع العناصر، وأن تجدوا فيه الراحة إن شاء الله، وأن تسعدوا بهذا الاجتماع ويكون له نتائج مهمّة، وخاصة أن سيدي الأمير سلمان يحفظه الله هو مؤرخ موثوق من الطراز الأول، ولذلك أنا لم أتعلم التاريخ في الجامعة، لكن تعلمته منذ ولدت، تعلمت احترام التاريخ، وتعلمت دور التاريخ في مستقبل الأمم، وتعلمت أن الأمم التي تعرف تاريخها ولا تقدر تاريخها أنها أمم مستقبلها ضبابي، وتعلمت في بيت هذا الرجل ـ حفظه الله، أهمية متابعة الأحداث التاريخية وتحقيقها والتدقيق فيها،  وقد حضرت عدداً من الجلسات، وهو يُحقق فكأنه مُحقق في الشرطة مع بعض المؤرخين المعروفين من أمثالكم في بعض الكتب، وبعض التفاصيل الصغيرة، ولذلك نحن نشعر اليوم بأنه يحفظه الله معنا في هذا الاجتماع، وهو مهتم جدا بهذا اللقاء، وما يصدر عنه إن شاء الله.
 
 
أيضا أرحب بأعضاء الجمعية من دول الخليج ترحيبا كبيرا جدا، ونشكر الجمعية على الدعوة، ودارة الملك عبد العزيز، التي تنظم هذه اللقاء بحضور أكثر من 120 عالماً وخبيراً في التاريخ والآثار.
 
 
نحن نستشعر أهمية انعقاد هذا اللقاء في هذا البلد الطاهر، وخاصة أننا نتكلم اليوم عن دور المدينة المنورة، وحقيقة الإسلام العظيم الذي انطلق إلى أصقاع الدنيا من هذه الأرض الطاهرة، ولذلك دور المدينة المنورة دور ثابت عبر التاريخ، ولقي اهتماما خاصا من هذه الدولة السعودية المباركة، التي ولله الحمد جمعت شمل هذه الجزيرة العربية بهذا الشكل لأول مرة منذ صدر الإسلام، والمملكة العربية السعودية تعني بقيادة هذا الرجل الذي يُعنى قبل كل شيء بخدمة الحرمين الشريفين، خادم الحرمين الشريفين سيدي الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ يحفظه الله، ويُعنى عناية خاصة هو وأسلافه ومؤسسي الدولة وأسلافهم ومواطني هذه البلاد المباركة بالحرمين الشريفين ومكة المكرمة والمدينة المنورة، كما قال سيدي الأمير سلمان قبل شهر تقريبا، بأنها هي المهمة الأولى لكل مواطن في هذا البلد المبارك، وهي حقيقة البركة التي بحمد الله منها استقرّ هذا البلد وجعلها الله بلداً آمناً، واعتز هذا البلد ولله الحمد بهذا الخير الكبير، واعتز بأن يقف شامخا في خضمّ التحديات والقضايا والمشاكل التي تحف بنا سنويا، ولقد أصبحنا تقريبا سكان الجزيرة العربية ودول الخليج شبه متأقلمين مع تكرّر الأحداث والمشاكل والأطماع والتحديات، ولله الحمد ننظر لهذه الدول مجتمعة وهي تقف متكاتفة في أن تستمر، بغض النظر حول ما يحدث حولها بأن تُثبت وترسي قواعد التنمية وقواعد الاستقرار وقواعد تكاتف الناس وتعاونهم مع بعضهم البعض، وتعاونهم على البر والتقوى، وأن تُرسي مثالا حيّا لما يمكن أن يكون عليه المجتمع المسلم المتحاب والمتآخي، وكيف يتعامل مع القضايا والمشاكل والتحديات.
 
 
وعندما نستعيد التاريخ في محفل كهذا المحفل، فنحن نعرف أن تاريخ الأمة الإسلامية كان تاريخا حافلا مشرقاً وأيضا بالتحديات، وهذه المرحلة إن لم تكن مثلما سبق فهي أكثر بكثير لوجود التغييرات الدولية الكبرى، وتعدد الدول، والوسائل التي تتعامل بها الدول مع بعضها البعض، ولذلك تركيزنا نحن في المملكة العربية السعودية كإخوان لكم، وبتوجيهات مؤكدة ومتابعة من مقام خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله، وسمو سيدي ولي العهد، بأن نعتني عناية خاصة بتاريخ بلادنا، ومصادر هذا التاريخ التي منها مصادر التاريخ المادي، وهي المواقع الأثرية ومواقع التراث الوطني، ومواقع الأحداث، ومواقع التكوين التاريخي للإسلام، وتحركات هذه الرسالة العظيمة في هذه الأرض العربية، وخروجها من الجزيرة العربية، وكذلك المواقع التي تُعنى بالأحداث المهمة عبر تاريخ الإسلام، وعبر تاريخ توحيد المملكة العربية السعودية.
 
 
نحن نستشرف المستقبل كما يستشرفه الجميع، ونحن نعيش في عصر جديد، عصر الاتصالات والتواصل الاجتماعي، وعصر تساوى فيه الناس في القدرة على إيصال الكلمة، في الماضي كان من يوصل كلمة كان بانتقائية وكانت هناك عناصر تُعطي فئة عن أخرى قدرة أكثر أو أقل في إيصال الأفكار والكلمات والمبادرات، وأصبح الناس اليوم تقريبا متساويين، وأصبح السمين والرث كلها تتساوى في الرسائل التي تأتي عبر الأجهزة وعبر وسائل التواصل، ولذلك أصبح اليوم هناك تحد كبير أمامنا بأن سكان هذه المنطقة، منطقة الخليج، التي تتجانس فيها تقريبا الحقب التاريخية، فنحن نعيش في أرض الحضارات، أرض الجزيرة العربية.
 
 
إننا نحتاج أن نستشعر بأن الأجيال الجديدة التي تتداول اليوم الأفكار والمبادرات والتداول الحضاري في النقاش والحوار، أن هذا التداول أيضا يقوم على معرفة رصينة ووثيقة بتاريخها، كما نعرف جميعا أن الوسائل المعتادة التي تعودنا عليها في إيصال المعلومات التاريخية، أو إيصال القيم التاريخية أنها لم تعد نافعة في هذا اليوم.
 
 
كما تعرفون أن من يقرأ الكتب، وخاصة الكتب التاريخية الرصينة التي فيها تفاصيل كثيرة هم قلّة، وإن كثر عددهم ولكن بنسبة عدد السكان وعدد الشباب فهم قلة، وإن كانت هذه القلة مؤثرة ولكنها لا تستطيع أن تُحدث النقلات الفكرية والعقلية التي تُرسخ قيم هذه الدول التي قامت على أكتاف حضارات عظيمة جدا، وفيها عناصر مشتركة بين هذه الحضارات، ولا تُرسخ القدرة على الوقوف بثقة من حراك ثقافي وتاريخي عبر الأجيال وعبر مئات السنين الذي يجب أن يعرفه ساكن هذه المنطقة ومواطنيها، ويسيروا في مستقبلهم وهم معتزين بأنهم ساهموا مساهمة كبيرة في مستقبل الإنسانية، لذلك نحن اليوم سكان الخليج لا يُمكن أن ننظر إلى أنفسنا أو الدول المطلة على الخليج بأننا نقف على آبار نفط فقط، كما يوهم بعضنا أو كما يُروّج عندما نرى البنيان الشاهق والسباق المحموم على التنمية، وإن شاء الله تكون متوازنة، وننظر في إعلامنا ونرى فقط الطرق والمباني الحديثة التي شيّدتها الشركات، ولا بد أن مواطن الخليج يقف اليوم باعتزاز وهو يقف على أكتاف تاريخ مجيد ومساهمات إنسانية وحضارية كبيرة جدا، وعلى منظومة من القيم التي يُمثلها هذا التاريخ.
 
 
أنا قلت في لقاء سابق أن مهمتنا كانت منذ البداية، وأنا وإن كنت لست متخصصا في التاريخ ولا في الآثار، ولكني عشت هذه المراحل قبل الهيئة العامة للسياحة والآثار، وهناك من الرجال الموجودين أمامنا اليوم الدكتور سعد الراشد رئيس الآثار سابقا، وهو رجل مميز، ومن الحضور الكرام، كنا نتابع وننافح عن مواقع أثرية كادت تندمر وتندثر، كنا نكافح في الحفاظ على مواقع تاريخية كانت تحكي قصصاً لتكوين هذا البلد وتاريخها.
 
 
ولذلك نحن بحمد الله اليوم نحمد الله سبحانه وتعالى أن تضامنت هذه المؤسسات وأن هيأ سبحانه وتعالى لنا رجلا شامخا واقفا على قدميه يؤيد عملنا، هو خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ـ حفظه الله، وأنا أقولها كشهادة حق، كعنوان لهذا الملتقى، تجاه هذا الرجل العظيم.
 
 
نحن اليوم نقوم بإنجازات في المملكة العربية السعودية وأعمال لم يتخيلها الأثريون والمهمون بهذا الجانب من التاريخ، كما قال لي زملائي في هذا القطاع، ومنهم هذا المعلم الكبير الدكتور أحمد الزيلعي والدكتور سعد الراشد والدكتور علي الغبان الذي يتواجد الآن في اليونسكو للتصويت في قضايا مهمة في باريس.
 
 
أنا لن أستطيع أن أقوم بهذه المبادرات ونخترق عامل وحواجز وسواتر كبيرة جدا في فتح النوافذ أمام فرق التنقيب التي وصلت إلى نحو 30 فريقاً دولياً في المملكة اليوم، وهذا كان رقم شبه مستحيل في السابق، أنه يتنقل اليوم بمعرض طرق التجارة، المعرض التاريخي الهام الذي حضره أكثر من مليوني شخص على مستوى العالم، ويتم افتتاحه في 18 ديسمبر إن شاء الله في محطته السابعة في هيوستن بالولايات المتحدة الأمريكية، ولم نستطع أن نخلق هذا القبول الكبير ولله الحمد، من كل المهتمين بالشريعة الإسلامية ولله الحمد من علمائنا الأفاضل، وهذا الاندفاع والحماس في تأييدنا على ما نقوم به من أعمال كبيرة جدا، ولم نستطع أن نفتح النوافذ والأبواب ونُعيد تشكيل نظرتنا إلى مواقع تاريخنا الإسلامي، والتي كانت تسمى سابقا المواقع الإسلامية، نحن رأينا أن نُعيد تسميتها بما يحُقق ما هي عليه، هي مواقع التاريخ الإسلامي التي آمل من الحضور الكرام من المؤرخين أن يبدأوا في استخدامها في كتبهم، المواقع الإسلامية هي مواقع محترمة ، مثل الحرمين الشريفين والمساجد وغيرها، والتي نعمل فيها الآن، ولم نكن نستطيع ذلك في الماضي.
 
 
من ضمن الأشياء الكثيرة أننا فتحنا الآن الباب للعمل في مواقع التاريخ الإسلامي وأسسنا برنامج للمحافظة على مواقع التاريخ الإسلامي وتطويرها، وأزف إليكم بشرى الليلة أننا نعمل في هذا البرنامج مع منظومة كبيرة من الأفاضل في هيئة كبار العلماء والمشايخ الأفاضل في اللجنة الاستشارية، واللجنة التنفيذية للبرنامج،  فقد بدأنا  في تطوير المناطق في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وبمتابعة جادة من سمو أمراء المناطق، وهيئاتنا المسؤولة عن تنميتها،  وهذه المشاريع رصدت لها مبالغ كبيرة لتطوير جميع مواقع التاريخ الإسلامي البارزة وذات الأولوية، وكل ذلك ما كان ليتم،  لولا توفيق الله سبحانه وتعالى، ثم وقفة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز يحفظه الله.
 
 
لقد قدر الله تعالى أن تخرج هذه الرسالة العظيمة من أرض محددة في توقيت محدد، ومكة المكرمة في أوجّ قوتها ومكانتها السياسية والاقتصادية وتقع في تقاطعات لطرق التجارة وطرق السياسة وطرق التاريخ، ولذلك عندما جاء الإسلام العظيم وانطلق، انطلق مستفيدا من القوافل التي انطلقت من مكة المكرمة وهي تنقل الإسلام العظيم، وكأننا نشبه ذلك كما قلت سابقا بما يسمى (الإنترنت) اليوم، الشبكة التي انتقل معها الإسلام في ذلك الوقت، أيضا هيأت هذه اللحظة التاريخية لينطلق الإسلام من بلد فيه تحديات وفيه حضارات في غرب الجزيرة العربية ووسطها.
 
 
نحن نستذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بدأ في إرسال المراسيل لملوك الدنيا أيضا أرسل المراسيل إلى حكام وسط الجزيرة العربية من بني حنيفة، وهؤلاء الذين لهم في التاريخ الإسلامي قصص وعجائب، منهم من وقف وقفة عظيمة مع الدعوة الإسلامية مثل سمامة بن آثال، وتقريبا أول مقاطعة في الجزيرة العربية انطلقت من نجد، لمقاطعة قريش في مكة المكرمة والمدينة المنورة مقاطعة اقتصادية في الأغلال والحبوب، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم تشفّع بشفاعة أهله من قريش، والقصة معروفة ، بأن فُتح باب المقاطعة، ما يعني أن الإسلام لم ينطلق من أرض مفرغة من الحضارات، وهذه الحضارات شواهدها هي المواقع، ونحن اليوم إذا لم نُحافظ على هذه المواقع ونُمكّن كل مواطن لا يعتز بها فقط، ولكن كل مواطن يكون حاميا وحارسا لهذه المواقع، لأنها بالتالي وبالتبعية يكون حاميا وحارسا لتاريخ الإسلام، وهذه حقيقة النظرة التي ننطلق منها في هذه البلاد المباركة التي أيدها وأسسها مقام خادم الحرمين الشريفين ـ يحفظه الله، وسيدي صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز ولي العهد حفظه الله، الذي يُتابع هذا الحراك متابعة دقيقة جدا، وبخاصة مواقع التاريخ الإسلامي.
 
 
أقول ذلك ونحن اليوم نستشرف عصرا جديدا ينطلق في دولنا ـ مجلس التعاون الخليجي، نحو المستقبل بثقة، ولكن نحتاج اليوم أن ينطلق مواطن دول الخليج مع قيادته نحو المستقبل بنفس مقدار هذه الثقة، وأنا أعتقد أن الجميع  يتفق بأن مواطني دول الخليج وخاصة الشباب وإن كانوا يسكنون في بلادهم فقليل منهم من يعيش فيها، قليل منهم من يُقدر تاريخها ويُقدر الملاحم التاريخية التي قامت على أرضها، وخاصة مسار توحيدها الحديث، ووحدتها الحديثة، وإذا كنا نتطلع إن شاء الله إلى المبادرة التي سوف تتحقق في يوم من الأيام وقريبا إن شاء الله في وحدة دول الخليج التي دعا إليها خادم الحرمين الشريفين ـ يحفظه الله، فإن أحد عناصر وعوامل تحقق هذه الوحدة الخليجية هي أن نعرف كسكان دول الخليج ترابطنا الحضاري والتاريخي، وأننا نأتي من ترابط كبير جدا شكّل منظومة مواطني الدول وقيمهم الحضارية وتاريخهم وأخلاقهم التي تقوم عليها الأمم بشكل عام، ولذلك نحن نعمل مع إخواننا وزملائنا في دول الخليج ومع هذه الجمعيات المهمة التي أصبح دورها اليوم أهم بكثير مما سبق.
 
 
إنني اليوم أوجه دعوة لهذه الجمعية المهمة لأن تشاركنا للنظر في المستقبل، وأن نُخرج التاريخ من بطون الكتب، وننقل هذا التاريخ عبر الوسائل الحديثة والجديدة إلى عقول وقلوب أبناء ومواطني الخليج، وبخاصة الشباب، وأن نخرج بهذه الجمعية وأعمالها الجليلة، وهذا العمل الدؤوب الذي يقوم به أعضاؤها إلى الساحة التي يحصل فيها اليوم الحراك المستقبلي، وأن نجعل التاريخ جزءاً لا يتجزأ من نظرتنا وحراكنا نحو المستقبل، وأننا كدول في هذا الخليج المستقرّ الآمن لا بد أن تستمر مساهمتنا وتتعاظم في كوننا دول مساهمة في مستقبل الأمة العربية التي نراها اليوم وهي تمرّ بهذا المخاض الخطير.
 
 
 لا بد أن نستشعر بأن المستقبل لا يُمكن أن يكون عبر الرسائل المتحفظة والرسائل التي لا تُوجه إلى الشباب، ولكن المستقبل لا بد أن يكون عبر مشاركة الجميع، وأن يُصبح الجميع مؤرخا، وأن يُصبح الجميع عارفا وقارئا وممارسا لدوره الحضاري، مستلهما هذا التاريخ المليء بالقيم.
 
 
نحن اليوم سُكان هذه الدول لا بد أن ننظر إلى المستقبل من منظور تاريخنا ومعرفتنا لتاريخ بلادنا الحقيقي وأنه جزء لا يتجزأ من حراكه، فلا بد أن يكون لنا دور أهم، ودور يشار إليه بأن لدول الخليج دور محوري في استقرار العالمين العربي والإسلامي.
 
 
نحمد الله سبحانه وتعالى أن هيأ لنا في المملكة العربية السعودية وفي دول الخليج هذه القيادات الرائدة التي تنظر إلى عملها وإلى ما تقوم به في بلادها بأنه عمل مشترك وجماعي مع المواطنين، فدول الخليج اليوم تضرب مثلا حقيقيا وحيّا بأن سياستها كقيادات وكحكومات هي جمّع تزدهر وليست فرّق تسد، وأن هذا الاستقرار الذي نراه اليوم هو حقيقة بتوفيق الله سبحانه وتعالى، ثم مردود لاستثمار طويل المدى في جمع شمل الناس وكلمتهم، وإطفاء الأحقاد بينهم، هذه الأمم التي كانت متعارضة بينها وبين البعض شعوبا وقبائل وتعيش في حالة حروب وحالة فُرقة، لاحظ أن في هذه البلاد هذه الأمم استقرت ولله الحمد لأحد الأسباب المهمة، ليس هو النفط، النفط جاء ولله الحمد لأن يُغذي طموح كبير جدا في التنمية وفي استقرار الناس وأن يعيشوا في كرامة ويتعلموا ويسكنوا وأن يتعارفوا، ولكن النفط أتى ليُساعد في تحقيق هذا الطموح وجمع شمل الناس على الخير.
 
 
نحن نُريد أيضا أن ينهض التاريخ، وأن يعرف الناس أن تاريخ هذه القيم التي تشكلت عليها دول الخليج بأنه تاريخ مجيد وتاريخ حاضر، وأن المواطن الخليجي اليوم لا يسير في مشاريع التنمية والعلوم الحديثة ويتميز ويتفوّق على غيره من سكان العالم أن هذا يأتي من فراغ، فهو يأتي من منظومة من القيم، وأكاد أقول هو وراثي كما قلت سابقا، وراثي مبرمج لأن يُصبح إنسانا مميزا، وإنسانا بانيا وقادرا على تحمّل التحديات والصعاب، أشكركم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
ـ د. محمد آل زلفة:
شكرا سمو الأمير على الحديث الشيّق، والسادة أعضاء هذه الجمعية كانوا ينتظرون هذه الأمسية وهذا الحديث، لأن قلوبهم على الآثار وأنها ولله الحمد في يد أمينة، وأمة لا تعتني بتاريخها ولا آثارها هي أمة هاملة، ونحن لسنا أمة هاملة، لدينا تاريخ عظيم وآثار عظيمة، والبارحة شاهدنا مع سمو الأمير فيصل معرض جميل ورائع ورأينا مئات الآلاف الذين جاؤوا لزيارة هذا المعرض، فالمدينة المنورة تعتبر كنزا في مجال الآثار، ومنها آثار النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، ومن الواجب علينا كمواطنين ومسؤولين الحفاظ على هذه الآثار، كما هو حال الجميع في أنحاء هذه المملكة. سمو الأمير أشرتم إلى اكتشاف آثار أول استئناس الخيل في جنوب المملكة العربية السعودية، وأعتقد أن هذا الاكتشاف رهيب لكنه بحاجة إلى متابعة، سمو الأمير لقد عرضتم هذه الآثار في أكثر من دولة من دول العالم، لكن مكان اكتشاف هذه الآثار لا يعرفون عنه شيئا. سمو الأمير، أيضا لدينا مدينة (جرش) الأثرية، وأيضا متحف أبها على وشك الانتهاء، إذا ماذا سنعمل في هذا المتحف إذا لم نكتشف ما هو موجود من آثار رائعة في مدينة (جرش) وهذه المواقع؟ سمو الأمير، أتمنى حقيقة أن يُعطى الفرصة للباحثين من خلال اتفاقيات التمويل للعمل على هذه المشاريع. سمو الأمير، لماذا لا يفتح المجال للزوّار من كل مكان لزيارة المملكة العربية السعودية؟ وأرجو إعطاء هذ الأمر أولوية.
 
 
ـ سمو الأمير:
أنا سعيد بهذا الحوار من الدكتور محمد، وهو معلّم لنا ويأتي من منطقة جميلة منطقة عسير، وأنا لي أصول في عسير أيضا لكني لا أتحيز لمكان. أولا لا بد أن يعرف الإنسان، وهذا رأيي المتواضع، كلما زاد تحضر الناس كلما اهتموا أكثر بتراثهم وتاريخهم وآثارهم ومواقعهم التاريخية وهكذا، وتنظر اليوم إلى دول مثل إيطاليا ودول غيرها متحضرة كثيرا وترى أنها تقوم أساسا في اقتصاداتها وبشكل كبير على هذه المواقع الأثرية، حتى لما تذهب اليوم تزور باريس مثلا يغفل الكثير منا أنه يعيش حقيقة في باريس التاريخية وليست باريس الحديثة، ونحن المسلمين أولى بالتحضر من غيرنا، وجزء من هذا التحضر أن نعنى بتراثنا وتاريخنا، وهذا ما أتكلم عنه اليوم، أننا نحن نمر بهذه المرحلة إن شاء الله، تجاوزنا الأفكار الدخيلة والغريبة أننا تجزؤنا في تاريخنا، نحن لدينا تاريخ نُريد المحافظة عليه وتاريخ لا نُريد أن نراه، هذه الانتقائية، وتاريخ الإسلام بحمد الله تاريخ مشرّف، وتاريخ الجزيرة العربية كلّه مشرف، هناك حقب كانت فيها ممارسات سُميت ممارسات دينية في غياب وجود دين مثل الإسلام العظيم، وأتى الإسلام بحمد الله وساد وتغيّر البشر في الجزيرة العربية واتجهوا ناحية الإسلام بحمد الله.
 
 
ما يتحدث عنه سعادة الدكتور، وكما قلت من قبل نحن حقيقة نعمل مع 28 فريق دولي بحمد الله، واليوم أنا وقعت أربعة خطابات لتكليف سعوديين بالعمل مع فريق ياباني، وتمديد لمواسم لفرق من بريطانيا وألمانيا، وهذه كلها فرق علمية متخصصة في حقب زمنية تعاقبت على الجزيرة العربية ونربطها بدراسات أصيلة، ونحن نمحّص هذه الفرق ونختار العلماء فيها عالم عالم، ونقرأ كل بحث كتبه أي واحد فيهم، حتى نعرف من يُريد أن يبحث عن التاريخ وحقيقته، أو مَن يُريد البحث عن حقيقة هو يصوّرها،  والدكتور حسين موجود معنا اليوم كنائب رئيس الآثار، ويعرف أننا كل شخص وكل عالم يدخل المملكة نقرأ جميع الأوراق التي قدمها في تاريخه وحضارته، ونعرف عن جامعته ونختار الفرق. الفرق الثمانية والعشرين هذا أمر غير مشكوك أبدا، وأتمنى أن نرتب لكم زيارة إلى تيماء أو جرش أو فرسان، وتعرفون نحن الآن أيضا نعمل مع جامعة أكسفورد، الجامعة التي تخرج منها سمو الأمير فيصل، ويمكن الأمير فيصل يرتب زيارة للفريق الذي يعمل معنا في هذه المنطقة، ولدينا الآن مؤتمر أقر من المقام السامي الكريم قبل يومين في أكسفورد ـ بريطانيا، للدراسة التي تتم الآن لما يتعلق بالهجرات الإنسانية من إفريقيا عبر الجزيرة العربية. نحن اليوم نستكشف كل يوم هذه الجزيرة وما تم فيها من حراك تاريخي لا يتخيله الإنسان. أنت قلت كلمة مهمة، أننا نملك اليوم مخزونا أثريا وتاريخيا يجعلنا في مصاف الدول المتقدمة الأولى، التي كنا نسمع عنها ونعتقد نحن متفرجين.
 
 
نحن اليوم نعيش في حقبة كبيرة جدا، نستكشف أرض الجزيرة العربية وتشمل دول الخليج أيضا، ونعيش اليوم في دول ومناطق فيها حضارات عظيمة جدا لا تقل عن غيرنا، وكل ما سمعناه في السابق أننا متفرجين نحن لسنا متفرجين، نحن صانعين للتاريخ والحضارة، وهذا ما يثبته اليوم.
 
 
كوننا نفتح الباب أمام من يأتون، حقيقة تأتي مجموعات كبيرة جدا، لكني حقيقة استحي من نفسي إذا نحن سكان هذه المنطقة ومواطنيها لم نذهب بعد إلى المواقع الأثرية والتاريخية، والمواقع ليست مهيأة لأبنائها فاستحي أن الأجانب يعرفونها قبل أن نعرفها نحن، ونحن لم نُلغ المجموعات التي تأتي، وهي مجموعات مميزة، نحن في المملكة العربية السعودية لا نؤمن بالاندفاع نحو فتح الأبواب لكل من يُريد أن يأتي، ولنا سوق كبير جدا يتسرّب حاليا، والسوق السعودي اليوم مستهدف في دول الخليج وفي كل مكان، والسعودي المواطن هو من أعلى درجات الصرف على مواطني العالم، لكننا في نفس الوقت لسنا دولة منغلقة، وأنا قلت في مؤتمر دول العشرين، كانت دول العشرين تناقش في لندن قضية التأشيرات والضرائب وقضايا اقتصادية أخرى، وقلت إن المملكة العربية السعودية ليست دولة منغلقة، يعني التهمة التي ألصقت ببلادنا. في العام الماضي منحت المملكة عشرة ملايين و700 ألف تأشيرة، وهذا يعادل أكثر من نصف سكان المملكة العربية السعودية، وأنا شبهت في المنتدى، وكانت مندوبة أمريكا موجودة، وقلت كأن الولايات المتحدة الأمريكية، إذا حسبنا سكانها 300 مليون نسمة تقريبا، كأنها منحت 150 مليون تأشيرة، ولذلك هذا البلد فيه انفتاح كبير، وهذا العام وأعتقد بعد شهر من الآن يفتتح موسم العمرة، وسوف نبدأ هذا العام في فتح الباب لـ 65 دولة لأن يتحول معتمريها إلى سياح بتأشيرة العمرة لأول مرة في تاريخ المملكة، ودول الخليج كلها مفتوحة للسياحة في المملكة أو لهذه المواقع، ونحن مستقبلا سنبدأ بالتدرّج في فتح الباب أمام المجموعات المميزة. بلادنا، وأتكلم عن دول الخليج وعن المملكة، حقيقة وأقول كلمة لوسائل الإعلام اليوم، نحن لا نستفيد من الحملات الإعلامية والفقاعات الإعلامية التي تُمجد بلادنا وتُظهرها في صورة قد تكون منمّقة أو أكثر مما هو في الواقع، أنا أقول الحقيقة في بلادنا، وما يحدث فيها، هي صورة ناصعة، وتاريخ هذه البلاد تاريخ ناصع، وإن حدث فيها في التاريخ أو فيما يحدث اليوم من قصور أو شيء فهو طبيعي وجزء من تاريخ أي أمّة، وأمّة مثل هذه الأمم في الخليج ودول الخليج والمملكة العربية السعودية تعمل يوميا وتُبادر وتُنشئ وتُقيم وتُسارع فيها المشاريع والمبادرات لا بد أن يحدث فيها بعض الثغرات، ولكن تاريخنا مشرّف، والآخرين عندما يأتون إلينا نُريدهم أن يروا الحقيقة، والحقيقة مبهرة كما سمعت من كثير من الفرق التي تأتي لبلادنا من الدول الأخرى والتي ترسلها السفارات أو السياسيين أو المثقفين الذين يأتون لزيارة هذه المواقع التاريخية أو التنموية وينذهلون حقيقة مما يرون في بلادنا، وإن شاء الله المستقبل يُثبت أننا نستحق أن نكون من هذه الدول التي تُعتبر دول متقدمة.
.+