فعاليات ملتقى المثقفين الثاني ـ جلسة التخطيط الثقافي

  • Play Text to Speech


 

كلمة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان
رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار
في فعاليات ملتقى المثقفين الثاني ـ جلسة التخطيط الثقافي
الثلاثاء 2 صفر 1433هـ الموافق 27 ديسمبر 2011
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
زملائي على الطاولة
معالي وزير الاقتصاد والتخطيط
 معالي نائب وزير الثقافة الإعلام
 الحضور الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا أولاً أشكر معالي وزير الثقافة والإعلام، وهو رئيسي السابق في العمل وزميلي الحالي، وأعتز حقيقة بهذه المرحلة التي قضيتها في وزارة الثقافة والإعلام، عندما كانت فقط وزارة الإعلام، وذلك في بداية الثمانينيات الميلادية، وهي تجربة استفدت منها الكثير، ولعلنا إن شاء الله  نتواصل في مجال العمل الذي نقوم به الآن، وأيضا نُعيد بعض هذا الفضل.
 
  اليوم تعد قضية الثقافة قضية واسعة وكبيرة ومتشعبة،  وأنا اليوم لا يمكن أن أقدم كل شيء، لتشعب هذه القضية وعمق أهميتها أيضا بالنسبة للحاضر، والأهم بالنسبة للمستقبل.
 
 اليوم الثقافة كما كانت في كل الأوقات، هي أداة حقيقة بدون شك للتعبير، ومرآة لعكس ثقافات الشعوب،  وستستمر هذه الثقافات حيّة ونابضة عبر الزمن، ولكن أيضا الثقافة اليوم أصبحت أداة مسيّسة، وأيضاً  أداة ذات مردود اقتصادي، وفي الوقت نفسه مع نمو قطاعات جديدة، مثل: قطاع السياحة على مستوى العالم، كقطاع ضخم جدا يعتمد في جزء كبير منه على ما يسمى السياحة الثقافية، والمرتبطة بدون شك بموارد التراث، والموارد الثقافية، والفعاليات ذات الاختصاص في هذا الجانب، وقد أعطى هذا دفعة كبيرة جدا لهذا المنحنى أن هناك بعداً جديداً، وطريقة  لعرض  الثقافة وإيصالها بوسائل مختلفة، وبلا شك أيضا  النظر لتطوّر الوسائل الجديدة، وسائل التواصل الجديدة، سواء التلفزيون، أو مع السفر.
 
اليوم  يتحرك حول العالم مئات الملايين من البشر بطريقة سلسلة، وهناك نمو في السياحة العالمية بأرقام غير مسبوقة في التاريخ، سهولة الوصول للمواقع، وحماس الدول، وعملها الحثيث لاستقطاب البشر لزيارتها والتعرّف على هذه الدول، والتعرف على ثقافاتها، وتقديم هذه الثقافات شبه المعلبة إلى حّد ما إلى المجموعات السياحية والأفراد، والاستفادة منها اقتصاديا.
 
لقد أصبحت الثقافة اليوم أيضاً عنصر جذب للآخر، وليست فقط عنصر تعبير للإنسان أو المثقّف، وأصبح اليوم على المثقف مسؤولية مضاعفة، لأنني أذكر  كثيراً من الموجودين، وأنا عشت في بيت للثقافة، والدي الأمير سلمان بن عبد العزيز يحفظه الله، رجل ثقافة، ليس بتقييمي أنا، لكن كما سمعت من آخرين ولكن أيضا تقييمي لا يختلف، هو رجل ثقافة متنوع، ومن الطراز الأول، حيث إنه أيضا قارئ ويستوعب ما يقرأ ويخرج بكتاب واحد بعشرة كتب أخرى يُريد أن يستوعب مواضيع متفرعة منها، ويُناقش ويتابع الصحافة الدولية وما يُنشر على مستوى العالم والترجمات، ويرأس مؤسسات مهمة تُعنى بالثقافة. وأذكر  أياماً كنا نعيش فيها وننتظر بفارغ الصبر وصول حقيبة من القاهرة تحمل صحيفة (روز اليوسف) وبعض الجرائد، وكان هناك جرائد محلية قليلة وصفحاتها محدودة، وأيضا الكتب. وأتذكر أنا  وإخوتي كنا ننتظر هذه الكتب بفارغ الصبر وننتظر والدنا يخلص من قراءتها ويحولها إلينا، كتب الترجمة والأدب والسياحة والمذكرات، كانت بالنسبة لنا هي تعتبر  جزئي من فسحة النفس، لأن التلفزيون كان في بداياته، وأنا أذكر اليوم، معي أني  لا أحب ذكر هذه القصص، لكن حقيقة أذكر أول يوم كان فيه بثّ تلفزيوني، كان في العام 1964 كما أعتقد، وتجمعنا أطفال صغار، وأول ما بدأ البث بالقرآن الكريم، وتجمعنا على التلفزيون ثم أغلقناه وعدنا إلى حياتنا. اليوم أصبح التلفزيون، خاصة مع تعدد القنوات وجاء الإنترنت واليوتيوب وهذه الطبقات الجديدة من الحصول على المعلومات، ومن الوصول إلى الناس، وجاءت وسائل التواصل الاجتماعي، وكل هذه غيّرت المفهوم والمضمون فيما يتعلّق بوضع الثقافة وانغلاقها كما كان في السابق إلى حدّ ما، وأصبحت اليوم الثقافة أمرا مفتوحا بسلبياتها وإيجابياتها، وأصبحت هذه المواقع وهذه الوسائل تنشر السيئ  والحسن، وأصبحت القنوات الفضائية اليوم بتنوعها، وأنا أذكر مرة  أن أحد الأشخاص كان لديه جهاز فيه حوالي 200 قناة، وكنت على السرير وأغيّر القنوات وما أمداني أوصل لنصف القنوات إلا وأنا نائم، وأذكر في الولايات المتحدة الأمريكية في السبعينيات، كما نستعجب من وجود ثلاث أو أربع قنوات، الـ ABC وCBS وMBC وBBS، وما الناس كانت تتكلم عن 20 قناة جاية ما كنا نصدق، وطبعا هذه العناصر مجتمعة، بالإضافة إلى الحراك، اليوم، وأيضا الحراك العلمي والتعليمي أصبح الناس عندهم مستوى  ثقافي في توسع  كبير، والغير متعلم وغير مثقف أصبح اليوم غصبا عليه أن يكون لديه حدّ أدنى من الثقافة، لأنه بدأ يطلع وبدأ يُحاكي ثقافات أخرى بطريقة أو أخرى.
 
ولذلك محوري اليوم أساسا، و إن خرجت لتغطية هذه الخلفية المختصرة، محور اليوم يقوم أساسا على ما نقوم به في المملكة العربية السعودية فيما يتعلق بالثقافة في مجال عملي، ومجال بعض المؤسسات التي أعمل معها، مثل: مؤسسة التراث الخيري، وغيرها.
 
مجال عملنا، عندما بدأنا في الهيئة العامة للسياحة والآثار، وكان اسمها الهيئة العليا للسياحة، عرضنا على مجلس إدارة الهيئة أننا نُريد أن نُعزز المضمون الثقافي والتراثي في السياحة الوطنية، ولا نُريد للسياحة فقط للهو أو العبث أو فقط سياحة ترويح، وهذا شيء مهم جدا، لكن نُريد أن يرتبط هذا الترويح بعناصر، مثل، سوق عكاظ، وخرجنا من هذه الفعالية الواحدة بحوالي 80 فعالية منتشرة في مناطق المملكة، وبدأنا في عملية تطوير شاقة، وجمعنا مجموعات من الناس من أمثالكم من المثقفين ابتداء من البدايات، وعيّنا ضمن مجلس إدارة الهيئة من ضمن المجموعات التي تُعين لذواتها، وهم سبعة أشخاص، وكان دائما معنا من يُمثل القطاع الثقافي، كنا حريصين على تمثيل قطاع الثقافة غير القطاع الخاص. ولذلك  الخطة الاستراتيجية التي قدمت للدولة، كان فيها 16 مخرج، المخرج الأخير هو الخطة التي قدمت للدولة سنة 2004 أو 2005، كان فيها واحد من 15 محور غير محاور فرص العمل، والاستثمار والأنظمة، وكذا كان هناك محور الثقافة والتراث، وهذا المحور كان بالنسبة لنا مهم جدا، وعملنا فيه مع مجموعات متميزة من المختصين والمهتمين بهذا الجانب. حقيقة بالنسبة لي كانت من أمتع جلسات النقاش هي الجلسات المتعلقة بهذا المحور.
 
انطلقنا في بناء الاستراتيجية،  وكانت عناصر الاستراتيجية محدد فيها هذا الجانب، ونحن اليوم حقيقة نجلس في طاولة، فيها زميل عزيز، ورجل حقيقة من أقدر الناس في اعتقادي الشخصي، من الممارسة، هو معالي الدكتور محمد الجاسر، وأنا أهنئه حقيقة بالثقة الكريمة من خادم الحرمين الشريفين بتعيينه وزيرا للاقتصاد والتخطيط، وإن كان هناك حاجة لإعادة دور التخطيط طويل المدى لدولة في العالم فهي المملكة العربية السعودية، دولة ذات موارد ضخمة جدا، ونمو بشري عالي أعلى من المناطق الأخرى، وبمركز جغرافي وسياسي مهم جدا وكبير جدا، ودولة ناهضة ولا أقول ناشئة، ناهضة، ولها حراك عالمي سياسي ودولي، وفي المحاور الثقافية، وفي كل اتجاه.
 
خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله يحفظه الله ويديم عزه، حقيقة يُحرك هذه البلاد في أبعادها المختلفة، لأنه يعرف أنها تنطلق من أبعاد مختلفة، وهو إن قام بذلك فهو غير مستغرب حقيقة، لأنه يقوم بدور أصيل ومتوارث وتاريخي، وهذه أحد نقاط الضعف التي أعتقد موجودة أيضا في ثقافتنا المحلية، والتي نعمل نحن من منظور ثقافة المكان، أن المواطن، وأنا قلت هذا الكلام اليوم في ملتقى الشباب والسياحة بمعية سمو أخي الأمير نواف بن فيصل بن فهد، أننا اليوم نعرف عن قرب في الهيئة العامة للسياحة والآثار، أن المواطن السعودي اليوم، وخاصة الشباب، هم أبعد ما يكونوا اليوم عن معرفة بلادهم من ناحية تاريخها وجغرافيتها، والتصاقهم وتداخلهم مع المناطق الأخرى، والتقائهم بالمواطنين في مواقعهم، وأيضا ثقافة المكان.
 
المواقع التاريخية والأثرية، كثير منها  نبشت وأخرجت آثارها للمتاحف وبقيت  متهدمة، وهذا واقع وتحت التغيير، كل المتاحف إلا المتحف الوطني مثلا حّولت تقريبا  إلى شبه مخازن للقطع المقلدة من الآثار الأصلية التي خرجت من المواقع نفسها، واليوم وقّعنا متحف نجران إضافة إلى أنه لدينا 12 متحف تحت الإنشاء، وإن شاء الله في المشروع الذي تم رفعه لخادم الحرمين الشريفين للعناية بالبعد العمراني هناك أكثر من 48 من قصور الدولة وقصور الملك عبد العزيز، وثمانية متاحف كبرى أكبر من متاحف المناطق، نريد أن نُخرج هذه الحضارات، وهذا التاريخ المتشعّب الكبير الهائل  من مكنونه من بواطن الأرض، والمواقع الخربة لأن يَصبح تاريخا معاشا، وأن نبدأ في عرض التاريخ ليصبح  شيئاً معاشاً، وهذا التاريخ مرتبط بلا شك بالجانب الثقافي من هذا التاريخ، وهو ما يهمنا من قصة المكان، لكن ما أقوله هو أن هذا الملك وهذه الدولة حقيقة هي قد ورثت سلسلة من الحضارات المتعاقبة العظيمة، وجاء الإسلام العظيم ولم يأت الإسلام ويلغي هذه الحضارات، قال الرسول صلى الله عليه وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، ولم يقل بعثت لأقدم أخلاقا جديدة، وجاء الإسلام وهذّب هذه المسارات الأخلاقية، وسار إلى الأمام على أكتاف هذه الثقافات وهذه التعاقبات التاريخية.
 
ولذلك نحن اليوم من مهامنا الأولى كمؤسسة وكمواطنين، ونحن نعمل مع جميع المؤسسات والمواطنين، وبالأخص وزارة الثقافة والإعلام، أننا نعيد تكوين هذه الصورة هذه الحضارات المتعاقبة على بلادنا، والتاريخ الوطني، تاريخ هذه الملحمة التاريخية التي نسميها الوحدة الوطنية، التي حقيقة من المؤسف أن الناس اليوم لا تعيشها، تقرأها في الكتب وتسمع عنها، لكنها لا تعيشها بتفاصيلها في القرى التراثية والمواقع التاريخية، وكفعاليات ومواقع ثقافية، نريد أن نحوّل مثلا قصور الدولة السعودية، وقصور الملك عبد العزيز، الذي قاد هذه الملحمة، إلى مواقع ثقافية، يُعرض فيها الوثائق التاريخية، والصور التاريخية، ويكون فيها فصول دراسية متعلقة بالثقافة الوطنية، ومتعلقة بالتاريخ الوطني، حتى  إن المواطن يستطيع أن يعيش تاريخه، ويعيش بلاده، ولا يسكن فيها فقط.
 
عموما أحببت أن استعرض الموضوع، موقع الهيئة على الإنترنت ومنشوراتها الكثيرة، وما يُنشر من كتب يُعطي انطباعا على أننا نسير وفق خطة محكمة، الهيئة العامة للسياحة والآثار بدأت بخطة استراتيجية عندما كان الناس حقيقة يستهترون إلى حدّ ما بأي شيء اسمه التخطيط، نحن أصررنا على العمل فيها مع آلاف المواطنين وقدمت للدولة، خطة منهجية واضحة، وأيضا نعمل الآن تحت برنامج محدد وخطة تنفيذية وخطة أيضا لتنمية ما يتعلق بالثقافة والتراث الوطني، ضمن منظومة مشاريع وضمن مسارات تتعلّق بالمهرجانات والفعاليات، وتقاطعات التعاون مع وزارة الثقافة والإعلام.
 
أنا شاكر حقيقة، وأعتقد أن بقية الحديث يمكن أن يكون لها مجال في الحوار.
 
• مقدم الحفل: أعود مرة أخرى لسمو الأمير سلطان بن سلمان لكي يحدثنا عن الدبلوماسية الثقافية.
 
• سمو الأمير:
شكرا لكم أخ محمد،  مما سمعته من الطرح المميز من الإخوة الزملاء في الجلسة، أود التعليق على نقطتين  مهمتين:
اليوم على مستوى العالم جال الثقافة ومجال التراث أصبح فيهما نوع من الترابط والتداخل، وأصبح هذا محور اقتصادي كبير بالنسبة للدول. أتذكر الهيئة عندما بدأت في تطوير المواقع التراثية وجدنا، ليس نوعا من التمنّع، لكنه نوع من التردد، حتى من المؤسسات المحلية، مثل: البلديات، وقمنا ببرنامج والآن مستمر وأرسلنا حوالي 300 مسؤول  من البلديات، ومن مسؤولي المحافظات لزيارة أماكن تراثية عالمية تحولت إلى آبار نفط. نحن شعارنا في برنامج التراث الوطني هو من (الاندثار إلى الازدهار)، ورأوا هذه المواقع ازدهرت وعادت إلى الحياة، وعندما تعود الحياة والدورة الاقتصادية حقيقة يعود الناس، وعندما يعود الناس هذا مكتسب ثقافي كبير، ولذلك أيضا لدينا أيضا مشكلة في هذا الوقت، وأنا أقولها ليس  بتعبير شخصي، لكن عن تجربتي التي لمستها عن قرب، هي أن المواطن اليوم، وأطرحه في شكل سؤال: هل المواطن السعودي هل يُقدّر في أي وطن يعيش؟ أم فقط يُقدّر الأرقام؟ الحمد لله هذا وطن خير ووطن غني وفيه بركة كبيرة، وهو بلد الحرمين بلا شك، لكن هل يقدر المواطن هذه المسؤولية الكبيرة؟ والأخ معالي الدكتور محمد أشار إلى ثقافة العمل وثقافة أملاك الدولة والإنسان واحترام الآخر، وهذا جزء من مكنوز كامل قد يكون ضاع في خضم السنوات الماضية إلى حدّ ما، لأن المواطن أصبح اليوم ينظر إلى أنه كمواطن ماذا سأحصل عليه قبل أن أقول كيف قامت هذه الدولة. هذه الدولة، حتى قبل ما أتكلم عن المحور الدولي، خادم الحرمين الشريفين فتح الآن باب حوار الأديان، وحوار الحضارات، هذه الدولة أصلا قامت كدولة والحمد لله قائمة على الإسلام وعلى العقيدة الإسلامية، ولكن أيضا قامت على منظومة القيم الإسلامية، يعني هذه الدولة ما يفصلها عن كثير مما نسمع الآن حتى من التحركات والتحركات على مستوى المحيط العربي، بإحلال الإسلام كمسمى للعملية السياسية، هذه الدولة أخذت الإسلام ليس فقط كمنهج سياسي يحكم أمور الدولة من ناحية السياسة، وكسلم تسلّق، لكن أخذت أيضا القيم الإسلامية. أنا في ظني أن هذا بحد ذاته هو أهم عنصر إذا لم يكن أهم العناصر التي تسببت بأن هذه الدولة التي عمرها أكثر من 350 سنة أنها عادت ثلاث مرات إلى الوجود، وهو سبب استمراريتها اليوم، هو أن الناس تتعامل تحت منظومة هذه القيم.
 
ولعل مجالس الثقافة، خاصة في المملكة العربية السعودية، لا يُمكن أن ينفصل عن مجال القيم، والقيم هذه بالنسبة لنا هي منظور مستقبلي، وليست قضية فقط بمجرّد أنها شيء جميل، هي جزء من التكوين، وأنا أرى واستشعر كمتابع للحركة الثقافية أساسا، حتى ما يُنشر،  أننا بدأنا الآن نستشعر بدايات العودة إلى الثقافة والتراث، لأن ثقافتنا غنية وغزيرة وعريقة، ونحن أمّة ذات ثقافة وذات حضارات متعاقبة وضاربة في التاريخ، ونسمع من حولنا من يقول لنا إنه صاحب التاريخ، نحن حقيقة هذا الموقع الجغرافي، الجزيرة العربية، شهد حركات تاريخية وتقاطعات التاريخ، والتجارة والأحداث السياسية، ولا يزال، ولذلك قدرنا نحن كشعب وكأمّة أن نعيش في وسط الحدث، وأحيانا في وسط الأحداث الخطيرة، لكن أصبح شيئاً  طبيعياً التعامل مع مثل هذه الأشياء، نتعامل معها يوميا، ولذلك لا يمكن أن نفصل  أشياءنا الخاصة.
 
أنا كما ذكرت كنت اليوم الصباح مع الأمير نواف في ملتقى الشباب  الإخوة والأخوات حوالي 150  حضروا من أنحاء المملكة،  وكان المحور الأساسي،  هو الشباب. الآن المقترح في وسائل التواصل الاجتماعي، التي تُشكك في هذا الوطن، ولا أتكلم عن وحدة الوطن فقط، لكن أتكلم حتى عن مكانة الوطن الحضارية والتراثية بين حضارات وتراث العالم. ونحن حقيقة تنبهنا  لذلك، ونحن كهيئة عامة للسياحة أطلقنا هذا البرنامج الكبير، برنامج العناية بالبعد الحضاري، ليس من باب الترف أو الترويج السياحي، لكن أيضا حتى نعيده للمكانة المطلوبة. أيضا كشعب اليوم، نريد هذا الحديث أو نوطنه أولا، ثم نخرج به إلى الآخر. الاختراق الذي حدث، أن هذا الرجل، خادم الحرمين الشريفين، ينظر للأمور من منظور والله أنا أحيانا أرفع بعض الأمور التي أجادل فيها بعض زملائي من  الإخوان الوزراء أو من الأخوات ذات العلاقة، وأجد جدال لا أخرج منه بنتائج، لكن عندما يُرفع له ينظر إليها بنظرة مختلفة تماما، وعندما نظرنا بأننا نرى بأنه على الأقل كأول خطوة، وأنا عاصرت معرض المملكة بين الأمس واليوم، ووجدت أن هذا المعرض مازال حيّا  ويعيش في عقول الناس في أوروبا وأمريكا وكندا، ويتذكرونه إلى اليوم. ولما جئنا بفكرة معرض الحضارات أو طرق التجارة الذي ذهب إلى اللوفر، والآن أنتم أيضا كمثقفين مدعوون للافتتاح في ألمانيا في الخامس والعشرين من يناير المقبل، ويستمر ثلاثة إلى أربعة شهور، ثم ينتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية في خمس محطات، هذا المعرض زاره ما يقارب المليون شخص، مليون شخص زاروا معرض للآثار هذا غير مليون شخص يزورون مدينة ملاهي، يعني من الناس ذوي الثقافة والمتعلمين وطلبة المدارس، ، وأنا لا أقولها فقط لأنه معرض للمملكة، لكن الانبهار الذي حدث والمفاجأة، وخاصة من مواطنين، عندما ذهبوا وشاهدوا المعرض، قالوا لا نُصدق أن بلادنا فيها هذه الأشياء، والآخر يقول أن الجزيرة العربية فيها هذا التعاقب من الحضارات العظيمة التي امتدت لملايين السنين، يعني أقدم قطعة مليون و200 ألف سنة، وآلاف السنين، وهذا التنوّع من الدول والممالك والحضارات التي جاءت من الجزيرة العربية  وسكنت هذه الأرض وأنبتت فيها هذا الحراك الثقافي.
 
فنحن بدأنا  من هذه الخطوة، وهي خطوة كبيرة وعظيمة، وتحسب لخادم الحرمين الشريفين يحفظه الله، لأنها حقيقة اختراق للأمر الواقع، نحن بدأنا في إخراج الآثار من حفرة الآثار، وأيضا نُريد أن نُخرج المواطن من شاشة التويتر والكمبيوتر إلى أن يذهب إلى المواقع التاريخية، والمواقع الحية   والتي تعود فيها الحياة وتتدفق فيها الثقافات المحلية، ويكون هذا الاختراق بهذا التنوع.
 
المملكة اليوم بلد متنوّع الثقافات، كما هو متنوع الحضارات، وهذا أمر طبيعي، ولكن هذا هو جزء من قوّة هذه البلاد، ولا يُضعفها، والحق يُقال إن الدولة أحسنت، وهي الآن مستمرة، وأعتقد بشكل أكبر، في تأكيد هذا التنوّع، مثلا: الجنادرية، والتي أطلقها خادم الحرمين الشريفين قبل أكثر من 25 سنة، في اعتقادي أنها كانت الحبل الرفيع الذي أبقى على هذا التراث، والآن الحمد لله الجنادرية أصبحت هذا المحور الثقافي الكبير، ونحن أطلقنا في سوق عكاظ فعاليات كبيرة والكثير قادم.
 
من ناحية العالم  اليوم، تكلمتم عن فرنسا، دول مثل فرنسا اليوم تستثمر المليارات، وأمريكا والدول الأوروبية وإيطاليا واليابان بالتحديد، اليوم العالم يراك كدولة ذات ثقافة عميقة، وذات جذور تاريخية وحضارية، ويراك تُحافظ عليها، هذه في حدّ ذاتها قوّة كبيرة جدا لنظرة العالم إليك، وفي الوقت نفسه هي أمر مهم  لأنها تعكس أنك إنسان متحضّر. أنا دائما أقول لمن  يتكلم معي  عن بعض القرى التراثية، ويقول إن هذه دليل على تخلفنا، أنا أقول لا، المحافظة عليها دليل على تحضرنا، ولاحظ أنه كلما ازدادت حضارة الأمم ازداد اهتمامها بتراثها وآثارها وثقافتها، إيطاليا ليست دولة  متخلفة للتذكير، دولة صناعية واقتصادها أكبر من دول الشرق الأوسط مجتمعة، وهي دولة من أكبر دول العالم تُعنى بتراثها وترميم القرى التراثية فيها، وجمال هذه الدولة وغالبية من يزورها حاليا يزورها لأنه يتمتع بهذا المكنوز الحضاري، ونحن اليوم لدينا تحديات ضخمة جدا لاستعادة ذلك، ولذلك جزء من هذا الحراك الدولي، الذي تقوم به المملكة اليوم، سواء في المحافل الدولية أو الـ G20 أو حوار الحضارات أو الحضور الدولي في المساعدات الدولية، وحل الخلافات الدولية، المملكة صارت مرجع للخلافات الدولية، وبيت الملك ومكتبه أصبح مرجع شبه يومي لقادة العالم يأتون ليأخذوا الحكمة، هذه الحكمة المتوارثة من الصحراء، نحن بلد الصحراء، وبلد الجبل، وبلد الشاطئ، وبلد النفط، لكن هذا النفط الذي أعلن صباح اليوم أو البارحة أنه سوف يصب في عروق هذه التنمية، وليس النفط الذي يصب في التسليح وتفريق الشمل.
 
ولذلك اليوم، العالم يرانا والحمد لله بصورة مختلفة، عنايتنا بهذا المحور الثقافي وحضورنا الثقافي القوي أمام العالم،  هو أمر ملازم لتقوية موقعنا السياسي الدولي، وهذا جزء أساسي ومحوري، معالي الدكتور عبد العزيز يذكر، وهو  ممن وقع في مشروع خادم الحرمين الشريفين للعناية بالبعد الحضاري، أن هذا المسار  مهم لصورة المملكة في الخارج، وتعزيز مكانتها، 
 
المملكة أيضا في حضورها الخارجي أو الدولي، قامت قبل سنوات قليلة، بتسجيل موقعين في مواقع التراث العالمي، كان العالم يستغرب المملكة العربية السعودية بلد الحضارات لا يوجد ولا موقع واحد مسجل في (اليونسكو)، والحمد لله تم تسجيل موقع مدائن صالح، وأنتم مدعوون، ومعالي الدكتور عبد العزيز، وإن شاء الله  يجتمع هذا الجمع الكبير، وقد يكون  لقاؤكم القادم في العلا إن شاء الله لافتتاح موقع العلا والمتاحف الكبيرة.
 
وأيضا نقطة سريعة، أنا دائما أقول نحن نُريد بلد، ونريد المواطن أن يعيش في بلده ولا يسكن فيها فقط، ما يحصل أن المواطن في كثير من الحالات يسكن في بلده ويأخذ  المال، مثل ماكينة الصراف، لكن نريد المواطن أن يعيش في بلده، والأسرة تعيش في بلدها، وتستمع ببلدها وتتحركّ فيها بحرية، وتستمع بوقتك في بلدك، أن يكون بلدك هو خيارك الأول، نحن نخجل أن يكون هذا البلد الجميل يستخدم فقط للسكن فيه، وأنا كمواطن متحرّك أتمتع حقيقة بزيارة بلدي والتحرّك فيه. بلا شك  المال أهم شيء، ونحن الآن متأخرين كثيرا بسبب ضعف الميزانية، والميزانية الأخيرة لم أقرأ تفاصيلها حتى الآن ولا أعتقد أنها ستكون أكثر من غيرها، لكن نحن الآن رفعنا بمشروع متكامل لمقام خادم الحرمين الشريفين، وهو رجل الثقافة والتاريخ، وهذا المشروع جاء بتوجيهه الكريم، لرفع مشروع متكامل ومتماسك للعناية بالبعد الحضاري للمملكة العربية السعودية خلال السنوات الثلاث المقبلة، وإذا تم إقرار هذا المشروع فأنا  أعدكم أن هذا المشروع يُمثل تحوّل تاريخي لما يتعلق بجميع المواقع والمسارات المتعلقة بعملنا في الآثار والتراث العمراني والترميم والقرى التراثية، وحماية المواقع.
 
 نحن نعمل اليوم مع 22 فريق دولي، ويعمل مع كل فريق عشرة أو عشرين أو ثلاثين من المواطنين في استكشافات المواقع، هذه لم تحدث في تاريخ المملكة العربية السعودية أن يعمل مثل هذا العدد وبهذا التزامن, ولدينا من الطلبات الآن ما لا نستطيع أن نلحقه، لذلك نحن منفتحين الآن هذا الانفتاح الكبير، ويهمنا الآن أن نستثمر، لأنه مثلما قال الدكتور محمد آل زلفة وهو صديق عزيز ورفيق رحلة في هذا الأمر، نحن نعمل مع جميع الناس، والمواقع متأخرة لضعف التمويل، وكنت أتمنى لو جاء معالي وزير المالية ويسمع هذا الحديث، لكن، أعتقد أنه سوف يصله بإذن الله.
 
أنا لديّ تعليق عن هذه الاستفسارات بنقاط سريعة، صحيح التخطيط لمجرد التخطيط ووضع الاستراتيجيات لمجرد وضعها تعد مضيعة للوقت، لا بد من ارتباطها بخطة تنفيذية، الهيئة العامة للسياحة والآثار عملت على الخطة الاستراتيجية وأتبعها بخطة تنفيذية وأقرت قبل شهر الخطة التنفيذية لثلاث سنوات مقبلة. طبعا قصور التمويل أحيانا لا يجعلنا نكمل الخطط التنظيمية الكاملة، وأيضا من ضمن منظومة مبادرات، وموقع الهيئة فيه جميع هذه المعلومات، اغتيال التاريخ نقطة مهمة، وليست أيضا  تختص فيها  المملكة، تصدقون أن هذه اقتصادات دول كبيرة، لكن في تركيا يعانون أيضا في قضايا تتعلق بهذا الأمر، ما تقوم به المملكة اليوم برعاية خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي العهد، في اعتقادي أنها نقلة حضارية غير مسبوقة، نحن لا نعمل من فوق إلى تحت كمؤسسة حكومية، نحن نعمل من الجذور، والعمل الذي يتم الآن في إخراج الآثار ووضعها في المعارض الدولية وتسجيل المواقع أخذ سنوات طويلة من التثقيف والاتصال والجلسات الطويلة، ومع جميع الفئات.
 
أنا أبشركم اليوم أنني لا أسمع اعتراض واحد على هذه القضية، والحمد لله، ونحن نستثمر واستثمرنا في  توطين وقبول السياحة لدى المواطنين، وبرنامج مثل برنامج (ابتسم) وبرنامج (السياحة تثري) الذي أخذ جوائز من الأمم المتحدة، في وصوله للمواطنين في مواقعهم وإقناعهم ونعرض عليهم، المواطن السعودي حقيقة لديه القدرة على الإقناع السريع إذا ما رأى الحقيقة أمامه، ولا يراها تزليف. أول  أمر خادم الحرمين الشريفين حفظه الله أصدر قرارا مهما جدا في 2009 بمنع أي تعد على الآثار الإسلامية في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأوكلنا في الهيئة للقيام بحصر كامل لهذه الآثار في مكة والمدينة، وقمنا بذلك وأنهيناها ونحن نعمل تحت هذه المظلة.
 
ثانيا: نحن نعمل على تطوير مسارات تطويرية، يمكن تسعة أو عشرة، من ضمنها مسار التاريخ الإسلامي، ولا يعقل أن الإسلام جاء من هذا البلد وخرج من هذا البلد وخرج نوره من هذا البلد ونكابر ونقول لا يوجد مواقع للتراث الإسلامي  فمعركة أحد لم تحدث هنا، ومعركة بدر لم تحدث هنا، واليوم أيضا جعل التاريخ الإسلامي أيضا معاشا بالنسبة للشباب والنشء من خلال المواقع هو أمر في غاية الأهمية. نحن نعمل الآن على هذا المسار، ونستعين بلا شك بالمناطق وأمراء المناطق والمثقفين وإلى آخره.
 
كذلك أوامر منع الهدم في مواقع التراث العمراني, ولا نستعين بهذه المواقع، قد صدرت متعاقبة وتوّجت بأمر سمو سيدي ولي العهد قبل فترة قصيرة جدا. نحن في حالة انتقال كبيرة جدا، حملة البعد الحضاري التي انطلقت ورأيتموها على وسائل الإعلام، هذه أيضا سوف تنطلق في الفصل الدراسي الثاني ضمن اتفاقيتنا مع وزارة التربية والتعليم على مستوى المدارس. نحن الآن غطينا حوالي 600 ألف طالب وطالبة من برامج مثل (ابتسم) و(لا تترك أثر) والآن هناك برنامج اسمه (السياحة تُثري) وهذا إن شاء الله سوف ينطلق قريبا، ونحن الآن نحتاج الفرصة للعمل على استعادة الثقافة لدى الإنسان في حماية تاريخ وامتلاك تاريخ بلاده. أنا أود توجيه الشكر في الختام لهذا الرجل النجيب، هو  وزملاؤه، معالي وزير الثقافة والإعلام، لأنه رجل وقف مواقف مشرّفة مع هذه الهيئة ضمن اتفاقيات التعاون، وأنتم تعلمون أننا نعمل ضمن منظومة اتفاقيات، أدخلنا لمنهج العمل في المملكة شيء يسمى اتفاقيات التعاون بين المؤسسات الحكومية، وأصبح هو الشيء الذي نحن نعمل الاتفاقيات ونقيمها كل ربع سنة، الاتفاقيات لحوالي 180  مشروعاً  قائماً، وأيضا مع وزارة الثقافة والإعلام، ونتمنى أن يكون لنا دور كبير لوضع هذه الاستراتيجية، والأهم وضع الخطة التنفيذية فيما يخصنا، وهي جاهزة الآن، نحن نستطيع أن نسلم خطة ما يتعلق بالهيئة للثقافة والتراث في مجال عملنا  من غدٍ يستلمها معالي وزير الثقافة والإعلام تفاصيلها ومشاريعها والمدن الزمنية لها إن شاء الله.
 
بالنسبة للمواقع الإسلامية، أنا ذكرت قبل قليل أن خادم الحرمين الشريفين أصدر أمرا بمنع الهدم، وهذا الأمر بما رفعته الهيئة من طلب بدعم من سمو سيدي وزير الداخلية، وتم تشكيل لجنة من رجال الدين ومن المثقفين، والحمد لله صدر هذا الأمر، وهذا يشمل جميع المواقع الإسلامية. ثانيا، نحن نعيش مرحلة توجّس أيضا، ونحن مررنا بمرحلة توجسنا من أشياء كثيرة في ثقافتنا، ولو أعطينا الفرصة لهذا التوجس أن يذوب بعض الشيء مع الحراك الثقافي ومع تغيّر الثقافة والانفتاح بحمد الله المعتدل في المملكة العربية السعودية، ولذلك نحن لا نرى حرج حقيقة ونحن نسترشد بكبار العلماء والناس الذين نعتزّ بهم، بأننا نفضل أن المواقع التي مرّ عليها التاريخ الإسلامي، فما بالك المواقع التي مرّ عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، بأن تكون محترمة، وهي لا تزال الآن أو الكثير منها، لكنها في وضع حقيقة ليس مشرّف، ونفضل أن تكون هذه المواقع مهيأة ومجهزة وتكون مصادر إشعاع ودعوة، وهذا التوجس والحمد لله أعتقد أننا مررنا بمراحل كبيرة، مما لا يُعلم، من أننا نتعامل مع هذه الطبقات المتراكمة من التوجس الفكري أو الثقافي أو حتى الغيرة على الدين، نحن الحمد لله كلنا لدينا الغيرة على الدين، وأيضا أنا أعدكم الأخ ماجد الشدي زميلي في الهيئة، من رجال الثقافة أيضا، وعدني الليلة وأنا في البيت، أن  يذهب للمكتب وأن يضع رابطا لهذا الملتقى ويُوضع فيه استراتيجية الهيئة المحدثة، الخطة التنفيذية، خطة تطوير الآثار والمتاحف، وخطة تطوير التراث العُمراني، وخطة البُعد الحضاري، على أساس الجميع يعرفون المسارات الكثيرة التي نعمل تحتها ونتحرّك فيها.
.+