خطوات نحو تعزيز البعد الحضاري للمملكة العربية السعودية

  • Play Text to Speech


 

محاضرة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان
رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار
في الندوة العلمية المصاحبة لمعرض الخيل ـ المتحف البريطاني ـ لندن
بعنوان: خطوات نحو تعزيز البعد الحضاري للمملكة العربية السعودية
الجمعة 04 رجب 1433هـ الموافق 25 مايو 2012
 
صباح الخير، أولاً أشكر لكم حضوركم اليوم، وأود أن أوضح أنني ارتدي ما أرتديه اليوم لثلاثة أسباب، أولاها اعتقادي بأن زملائي سيرتدون زياً مشابهاً. وثانيها أني مغادر إلى المملكة العربية السعودية فوراً بعد انتهاء جلستنا هذه. وثالثها أن هذا الزي يعطيكم تصور بسيط عن مظهرنا ونحن نمتطي الخيول في المملكة.
 
أتوجه بالشكر حقيقة لكل من جون وجوناثن من المتحف البريطاني على استضافتهم لنا اليوم، كما أشكر الحضور على هذه الدقائق البسيطة لافتتاح هذا التجمع العلمي. نحن سعداء بوجودنا هنا في لندن على الرغم من أن الشمس والدفء في بلدي يعتبر جواً سيئاً، ففي حال جئتم لزيارة المملكة وكان الجو غائماً وممطراً إياكم والإشارة إلى سوء الطقس فقد يتم إلقاء القبض عليكم.     
 
حسناً، قررت أن لا أقرأ عليكم الخطاب الذي أعددته وإنما أن أسلط الضوء على بعض النقاط الرئيسة لبعض المواضيع الحساسة التي تتعلق بهذا المعرض وعلاقته بما نقوم به في المملكة العربية السعودية. كما أني فخور جداً بعلاقتي مع صديقي وصاحبي الفارس الأمير فيصل بن عبدالله وزميل الدراسة والصديق العزيز السفير الأمير محمد بن نواف.
 
هذا المعرض في غاية الأهمية ويرجع السبب في ذلك إلى أنه يقام في بريطانيا، أرض الخيل والفروسية. أعتقد أنه يوجد في بريطانيا أكثر من مليون خيل، لا شك أنه رقم كبير يعكس حب بريطانيا للخيول؛ لذا فإنه ليس هناك أفضل من بريطانيا لاستضافة وافتتاح هذا المعرض.
 
وأنا هنا اليوم بسبب إسهاماتنا في مشروع مشترك مع الأمير فيصل واتحاد الفروسية في المملكة العربية السعودية، للتعريف بالقطع الأثرية التي تم العثور عليها قبل عامين تقريباً في المملكة والتي تدل على أن تربية وترويض الخيول بدأ في قلب الجزيرة العربية منذ 9000 سنة مضت. تعرض هذه القطع لأول مرة، حيث لم يتم عرضها في أي متحف وطني أو دولي آخر. لذا أدعوكم لزيارة المعرض والتعرف على هذه القطع الأثرية الجميلة التي لا تعد جزءاً من تاريخنا فحسب وإنما جزء لا يتجزأ من ثقافتنا وهويتنا العربية.
 
نحن كما تعلمون نظمنا العديد من المعارض المختلفة التي تسلط الضوء على الجانب التراثي والثقافي للمملكة العربية السعودية. والذي يعد للكثيرين، أمراً جديداً ومبادرة جديدة وغالباً ما يثير تساءل الكثيرين. اختتمنا قبل فترة معرض الحج، فعالية متميزة قد تكونوا حضرتموها أو شاركتم بها. واليوم نفتتح معرض الخيول والذي يضاهي معرض الحج تميزاً وروعة. وقد اختتمت قبل فترة وجيزة المحطة الرابعة لمعرض روائع اثار المملكة العربية السعودية والذي تم استضافته في أربع وجهات رئيسية في فرنسا، وأسبانيا، وروسيا، وألمانيا. وهو في طريقه الآن إلى واشنطن في السابع عشر من نوفمبر إلى جانب خمسة مدن أخرى في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، ونتمنى تنظيمه في بريطانيا يوماً ما.
 
معرض روائع آثار المملكة العربية السعودية هو معرض رائد، كنا نأمل أن يكون الكتاب الخاص بالمعرض معنا اليوم ولكن يبدو أن لدينا مشاكل مع مصلحة الجمارك في بريطانيا وأعتقد أنهم يردون لنا المتاعب التي سببتها لهم الجمارك السعودية. ولكن هذه المعارض، أو هذه التنقلات إذا شئتم، تهدف إلى تسليط الضوء على تراث المملكة العربية السعودية وثقافتها في هذا التوقيت بالذات لعدد من الأسباب. أولاً وضع المملكة العربية السعودية اليوم في العالم وما يشهده من تطورات وتغيرات، ففي الوقت الذي كان الملك فيه حريصاً على تطوير البلاد والنهوض بها، كان حريصاً في الوقت ذاته على حماية تراثها والتنقيب عن آثارها والتعريف بثقافتها. الغالبية العظمى منكم، والغالبية العظمى من السعوديين أيضاً، لا يمكنهم النظر إلى المملكة العربية السعودية إلا من خلال بعض الأبعاد التي تصف المملكة فعلاّ ولكن لا تقتصر عليها، وخصوصاً بالطبع الإسلام. الإسلام هو البعد الحقيقي الذي يعكس هويتنا كسعوديين، كمواطنين في بلادنا. نحن فخورون بكوننا بلد الحرين الشريفين ومهد الإسلام. تتمحور الحياة في المملكة العربية السعودية حول الإسلام، وحول خدمة الحرمين الشريفين، ونعتقد جازمين أن الإسلام هو أساس الرخاء والاستقرار الذي تعيشه المملكة العربية السعودية.
 
يعود تاريخ المملكة العربية السعودية إلى آلاف السنوات، ويمكننا أن نصف توحيد المملكة العربية السعودية بالتاريخ الحديث، حيث جاء توحيد الجزيرة العربية، هذا الحدث التاريخي الهام، ليجمع هذه المساحات الشاسعة ويوحد كلمتها في وقت حرج وفي موقع استراتيجي غاية في الأهمية. وبتوحيد الجزيرة العربية، التوحيد الذي كان فعلاً الأول من نوعه في التاريخ، حدثت تغييرات جذرية في التاريخ ونفتخر اليوم ونحن نرى هذه الدولة الموحدة تخطو خطاها وبتطور مستمر نحو المستقبل.
 
كما أن البعض ينظر إلى المملكة العربية السعودية من البعد الاقتصادي – لا يمكنك أن تشغل محرك سيارتك في الصباح دون أن تفكر في بترول المملكة العربية السعودية. سألت ذات مرة من قبل الإعلامية (زينب بدوي) على قناة الـ (بي بي سي) عن الاتهامات أو الحقيقة التي تقول بأننا دولة بترول! (ولابد أن أشير هنا إلى أن زينب هي صديقة في الحقيقة)، وقد أجبتها: "نحمد الله على ذلك!". نحن سعداء حقيقة وفخورون جداً بهذه النعمة، ولكننا فخورون أكثر أننا وضفنا هذه النعمة في تنمية وتطوير هذه البلاد الكبيرة. إنها صحراء، وجبال، وسواحل الجزيرة العربية، إنها دولة غنية تشهد نمواً وتطوراً سريعاً جداً جداً، خصوصاً في وقتنا هذه. إنها صحراء وكما هو حال الصحراء التي تمتص مياه الأمطار التي تتساقط عليها بغزارة، فإنها صحراء تحتاج إلى المزيد والمزيد مهما طورت فيها من بنى تحتية، والمستشفيات، والجامعات، والمدارس، والطرق، والسدود، والتعليم وخلافه .. إنها بلد تحتاج إلى المزيد. لا يمكن مقارنة المملكة العربية السعودية بالمدن أو الدول الصغيرة، إنها دولة كبيرة تسعى إلى تحقيق كل شيء في يوم واحد. ولو كان الأمر بيد الملك عبدالله، لكان لوح بعصا سحرية لينقل بلاده إلى مصاف الدول المتقدمة بالأمس. وبصفتي وزيراً للدولة أود أن أقول لكم أنني وزملائي الموقرين نعمل على قدم وساق لتحقيق هذه الأمنيات وبناء الدولة واللحاق بالوقت. المملكة العربية السعودية معروفة كقوة اقتصادية، هي الدولة الأكبر صناعياً واقتصادياً في المنطقة. كما أن المملكة العربية السعودية معروفة على الساحة الدولية، فهي تلعب أدواراً بارزة في العديد من القضايا، إذا كنتم تتابعون الأخبار، فهي تعنى بقضية السلام في الشرق الاوسط وفي المنطقة، قضايا التعاون الدولي، والسياسة، والحوار بين الأديان والثقافات. وقد تم مؤخراً افتتاح مركز الملك عبدالله للحوار في اليونيسكو. المملكة العربية السعودية هي في الحقيقة من أكبر الدول الداعمة للمؤسسات الخيرية الدولية كإسهامات من إجمالي ناتجها المحلي. نحن نعنى بكافة القضايا، حتى المعقد والخطير منها، ولا نهرب أبداً أو نخاف من الدخول في المناطق الخطرة (إذا جاز لكم التعبير)، ولطالما كان الملك عبدالله يعكس التوجه الحقيقي للملكة العربية السعودية، التوجه الذي لطالما حملته المملكة العربية السعودية على عاتقها لأكثر من ثلاثمائة سنة مضت منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى. والآن البعد الرابع، وهو البعد الذي يعنينا اليوم، ألا وهو البعد الحضاري؛ وكيف نربط تراثنا وتاريخنا العريق مع ما نقوم به في المملكة العربية السعودية؟ كيف نتعامل معه كقيادة وشعب؟ وكيف نرى المستقبل من حيث ربط واقعنا المعاصر مع تاريخنا العريق؟ البعد الحضاري مهمش إلى حد كبير، وخصوصاً عند السعوديين أنفسهم للأسف. أحد الأمور التي بدأنا نبحث فيها، أحد المبادرات التي بدأنا بدراستها وبتوجيهات من الملك هي التعريف بآثارنا وثقافتنا والتعمق فيها. والتعرف على المواقع التاريخية الخلابة التي شهدت توحيد المملكة العربية السعودية. والمدن والقرى الجميلة التي أهملناها (إهمال غير متعمد في معظم الأوقات) حيث واصلنا دفع العجلة التنموية وتطوير البنى التحتية، والطرق، والمرافق دون الأخذ بالاعتبار حجم الأضرار التي تسببنا بها. ولكن في الوقت ذاته تم تنفيذ العديد من الأعمال الجيدة على مدى تاريخ الدولة السعودية الحديثة فيما يتعلق بالتنقيب عن الآثار واكتشافها. ولكن اكتشافي هو، ولعلي استخدم هنا مصطلح لا يمكن ترجمته إلى اللغة الإنجليزية بشكل سليم، أننا حفرنا ونقبنا للعثور على العديد من القطع الأثرية ونقلناها إلى الجامعات والمتاحف والمخازن وبعضها في المتحف الوطني، متحف كبير وجميل نفتخر به في المملكة العربية السعودية. ولكننا دفنا تاريخنا في هذه الحفر تحت الأرض. مهمتي ومهمة الهيئة العامة للسياحة والآثار هي أن أنقل تاريخ المملكة العربية السعودية من كتب التاريخ ومن تحت التراب إلى الجمهور والمواطن السعودي، والمجتمع الدولي، إلى منزلك ليكون جزءاً من حياتك. وكما نحن فخورون بالأبعاد الأخرى، نحن فخورون جداً ببعدنا الحضاري وتأصلنا التاريخي. ومن ضمن اكتشافاتنا التي نقوم بها في المملكة العربية السعودية هي الاكتشافات الخاصة بالخيل، والتي أظهرت أن الجزيرة العربية والتي تشكل المملكة العربية السعودية 80% منها هي قلب الحدث، والمركز السياسي والتجاري والاقتصادي والديني منذ القدم.
 
 نحن حريصون ونشعر بالمسؤولية تجاه هذا البعد من حيث أننا نرى، وأنا خصوصاً، أن القضية ليست سياسية إنما اعتقاد شخصي بعد أن قضيت وقتاً طويلاً مع علماء كبار من المملكة العربية السعودية  ومن غيرها، وبعد قضاء وقت طويل مع أكثر من أربعة وعشرين فريق تنقيب دولي يبحثون وينقبون عن الآثار من حقبات زمنية مختلفة في مواقع مختلفة من المملكة. لأول مرة تستضيف المملكة العربية السعودية أكثر من أربعة وعشرين فريق دولي يعملون مع الرجال والنساء السعوديين في المواقع لاستكشاف الجزيرة العربية والبحث عن مزيد من الروابط مع الحضارات المختلفة التي عبرت الجزيرة العربية.
 
هذا الموقع الجغرافي، تقع المملكة العربية السعودية في قلب الحدث، ولطالما كان هذا الموقع الجغرافي محل جذب واهتمام، لذا يمكنكم القول، وهو اعتقادي حقيقةً، أننا نحن السعوديون مبرمجون جينياً على أن نكون في قلب الحدث، وغالباً ما نكون في قلب المشاكل وفي مواقف خطرة. ويمكن أن نرى توجه الملك اليوم، وكيف تتعامل المملكة العربية السعودية مع المواضيع الحرجة والحساسة. لا أذكر طوال سنوات عمري أنه قد مرت على المملكة سنة لم نواجه فيها أزمة أو أكثر بسبب عوامل خارجية، لطالما كنا في قلب الحدث ولطالما كنا دولة غنية بالنفط، ودولة ثرية تؤمن بطريقة ورؤية واضحة للمستقبل، واحتفظت بهذه الرؤية واستمرت في التقدم بغض النظر عن مختلف التغييرات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في المجال السياسي وغيره من المجالات.
 
إذا ما نظرنا إلى المملكة الآن فإننا سنجد دولة تنعم بالاستقرار والثراء وتكاد تكون الدولة الأسرع نمواً في الشرق الأوسط، وهو ما يشعرنا بالفخر والاعتزاز، فلطالما كنا نعيش في قلب الحدث ولطالما استطعنا وبقدر كبير من الحكمة والصبر أن نتجاوز المشاكل والصعاب التي واجهت عالمنا بسبب عوامل عدة. أحد هذه العوامل باعتقادي هو أننا مبرمجين جينياً على أن نكون في مثل هذا الموقف ونحن مبرمجون، إذا جاز لكم التعبير، في المملكة العربية السعودية على التفاعل مع حضارات وقضايا الغير، ومع التحديات السياسية وغيرها؛ ولطالما تمكنا من تجاوزها والمضي قدماً. لذا فمن المهم لنا أن ننظر بعمق إلى تفاعل الحضارات مع الجزيرة العربية، والتعرف على الدروب التي كانت تسلكها القوافل التجارية، وكيف أننا وقبل اكتشاف النفط، قبل اكتشافه بكثير، كنا قوة اقتصادية.
 
ساهم معرض روائع آثار المملكة العربية السعودية في إلقاء الضوء على حجم الصفقات التجارية والاقتصادية التي عقدت في جزيرة العرب والقطع الأثرية التي عثرنا عليها اليوم، كما يستعرض مدى تأثير المسارات التجارية حيث كان على القوافل التجارية التوقف في المنطقة وإلى جانب مختلف السلع والبضائع التي كانت تنقلها تلك القوافل، كان هناك نصيب كبير من الحضارات التي تنقلها معها لتصبها في جزيرة العرب، فتحصل على مزيج مختلف النكهات والحضارات. الأمر الذي حدا بالبعض منها إلى الاستقرار في الجزيرة العربية وتكوين ممالك عظيمة. وفي واقع الأمر، فإن المملكة العربية السعودية التي تشاهدونها اليوم كانت عبارة عن عدة ممالك قديمة في السابق، البعض منها ممالك ذات تاريخ عريق والأخرى ممالك حديثة المنشأ.
 
مع بزوغ فجر الإسلام على المنطقة، أحدث هذا الدين العظيم تغيرات محورية رسمت الخطوط المستقبلية في المنطقة العربية والعالم بأسره. فالدين الإسلامي في الواقع لم يختص بمنطقة معينة أو طبقة اجتماعية أو عرق محدد. فمن خلال اطلاعي على الكثير من الكتب والمراجع القديمة والأثرية، ألِّف البعض منها رحالة متنقلون، أدركت أن الدين الإسلامي كما أنه موجه إلى الفقراء، رعاة الماشية والإبل، ولا أرى ضير في أن نكون رعاة للماشية وأن نعيش حياة الصحراء (وبالمناسبة ليست الجزيرة العربية صحراء فقط!)، إنما ما أردت قوله أن الدين الإسلامي موجه للفقير والغني، للضعيف والقوي، نزل الإسلام على أرض الحضارات، ويتضح ذلك من خلال التفاعل بين مختلف الحضارات منذ قديم الأزل، والدروب التجارية، كما يتجلى ذلك أيضا في سوق عكاظ، وهو فعالية كانت تنعقد لمدة شهر سنويا كل صيف، شهر سبتمبر، ويقع عكاظ في الطائف، مدينة بالقرب من مكة المكرمة، ويعتبر منطقة تجمع للعديد من الأنشطة المختلفة، فتقصده القوافل، ويتم فيه تبادل الحضارات والفنون والخبرات والمنتجات. ويعود تاريخ هذا السوق إلى عهد ما قبل الإسلام، وقد ازدهر بالطبع بعد الإسلام، وهكذا حرصنا على الاهتمام به وإعادته إلى الحياة. ويمكننا القول بأن الدين الإسلامي ظهر في بقعة غنية جدا من الأرض، وهذا ما أود توضيحه أيضا، أنه عندما نرغب في التعرف على تراثنا الإسلامي نكتشف أن الإسلام قد نزل على منطقة ذات أهمية بالغة وفي أشد الأوقات الحرجة. كانت جزيرة العرب تعاني من الفراغ، فراغا سياسياً أقصد، في فترة تاريخية تنتشر فيها التصدعات والانشقاقات. في تلك الفترة كانت الجزيرة العربية مجزأة إلى أصغر النظم السياسية والقبلية إلى أن جاء الإسلام ليعيد إحياء المنطقة ويوحد القلوب والعقول قبل الأراضي ويمسح الاختلافات والفصائل. ولهذا السبب، من الضروري علينا كمسلمين أن نبذل ما في وسعنا لحماية تراثنا العربي وآثارنا، وقد يرى البعض أننا لا نهتم بتراث مرحلة ما قبل الإسلام على الإطلاق، كما أثيرت بعض الأقاويل بأننا نعمل على تدمير تلك الآثار وإزالتها، وذلك في اعتقادي أمر لا يقبله عقل. فدين عظيم كالدين الإسلامي لا يقبل بفكرة الهيمنة والاستحواذ على آثار الحضارات الأخرى، أو فكرة أن وجود آثار وحضارات أخرى ستقلل من أهمية الإسلام. فالإسلام أعظم من أن يرى من خلال آثار، حيث انبثق في أرض ذات ثقافات عريقة وحضارات المتعددة، ونزل بقوم يمتلكون القوة والسيادة والنفوذ، قبيلة قريش، والشعوب العربية الأخرى التي حارب الإسلام في أول ظهوره وحاربت النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فالإسلام لم يظهر ليمحي الجزيرة العربية ومن سكنها، ويسلبهم قيمهم وأعرافهم، كما جاء في الحديث النبوي الشريف: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ولم يشر عليه أفضل الصلوات إلى محوها. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحيان يوجه جيوشه وأتباعه أثناء الغزوات في جزيرة العرب إلى نشر كلمة التوحيد والدعوة إلى الله تعالى دون الإضرار بالمنطقة وتدميرها، بما في ذلك الآثار. ومن أهم العناصر كون الإسلام انبثق من جزيرة العرب، من أرض الرخاء والثراء، من أرض التاريخ العريق والحضارات، كعنصر ثانٍ، وذلك ما حثنا على القيام بكل هذا. أما العنصر الثالث فيتمثل في أن الحضارة السعودية تشكل في القرن السادس عشر، حيث قامت الدولة السعودية الأولى خلال فترة سياسية حرجة أيضا، فقامت بلم شمل الأجزاء العربية، وما لا يعرفه الكثير أن الدولة السعودية خلال القرن السابع عشر كانت أكبر من المملكة العربية السعودية التي تعرفونها اليوم من حيث المساحة والحدود الجغرافية. وقد قامت المملكة العربية السعودية مرتان. وقد سقطت الدولة السعودية الأولى، وعاصمتها الدرعية، على أيدي العثمانيين من خلال واليهم في مصر آنذاك. وتم العمل على تطوير عاصمة الدولة السعودية الأولى وإعادة إحيائها وإبراز معالمها التاريخية، كما انضمت الدرعية إلى قائمة منظمة اليونسكو لمواقع التراث العالمي. وبعدها قامت الدولة السعودية الثانية، ثم سقطت إثر نزاعات داخلية، فرجال الصحراء كما تعلمون يجدون الوقت دائما للصراعات والنزاعات إلى أن يجدوا أنفسهم في مواقف لا يمكنهم الفرار منها. أما اليوم، فقد قامت الدولة السعودية الثالثة، وقفت على قدميها مرة أخرى بفضل من الله أولا ثم التصميم والإصرار والقوة الذاتية. ومن هنا، وخلال هذه الفترة العصيبة من الزمن، وخلال هذا الوضع الحرج للأمة العربية، هذا الأمر لا يتعلق ببناء دولة جديدة، بل أمة جديدة، عضو في الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات العالمية، مكونة دولة عربية حديثة توفر الأمن الاستقرار للفرد وتضم تحت مظلتها العديد من الناس من خلفيات مختلفة وحضارات متباينة سواسية كأمة واحدة.
 
 تلعب المملكة اليوم دورا فاعلا في الشؤون الدولية، كما أن لها ثقلها على الصعيد الدولي الأمر الذي يبعث على الاستقرار بالمنطقة. ولا أريد أن أخوض في هذه النقطة بالذات، إذ يحتاج الحديث عن هذا الأمر إلى خطاب آخر، وفي مكان آخر، إلا أنني أوافق البعض الرأي في كون المملكة العربية السعودية اليوم تمتلك ثقلاً على الصعيدين الاقتصادي والسياسي يسهم في استقرار المنطقة بشكل بارز. فهل بإمكانك أن تتخيل الجزيرة العربية ممزقة إلى ممالك ودويلات صغيرة لا وزن لها ولا ثقل تروح وتغدو حيث تذهب بها الريح. فظهور دولة جديدة كالمملكة العربية السعودية أتت موحدة لشعوب مختلفة وقبائل، أشبه ما يكون بالمعجزة. ونحن نولي الآثار اهتماما شديدا كما نعنى بتاريخنا العريق، سواء مرحلة ما قبل الإسلام أو التاريخ الإسلامي. وقد أصدر خادم الحرمين الشريفين مرسوما ملكيا كان غاية في الأهمية والجرأة، وذلك منذ خمس سنوات مضت، يقتضي بوقف أية أعمال يمكن أن تضر بموارد التراث الإسلامي سواء المواقع التراثية أو المباني أو غير ذلك. كما نعمل هذه الأيام حسب التوجيهات الكريمة لخادم الحرمين الشريفين أيضا على مبادرة وطنية كبيرة تهدف إلى إعادة إحياء تاريخ المملكة العربية السعودية، تاريخ توحيد أطراف المملكة، لتتمكن الأجيال اليافعة، كما هو الحال لديكم في بريطانيا، من التعرف على ما أنعم الله عليها من نعم لا تعد ولا تحصى كالذهاب إلى المدرسة وركوب السيارة والاستمتاع باحتساء القهوة في المقاهي والتبحر في الشبكات الاجتماعية والزواج وإنجاب الأطفال والسفر والسياحة، ومن ثم العودة بكل أمان إلى أرض الوطن. فليس من السهل القيام بذلك كله في الشرق الأوسط، أو أن تكون جزء من العالم في حين أنها تعمل على تطوير ذاتها داخليا وبناء مستقبلها في الوقت نفسه. كما أنه من المهم بالنسبة لنا قيام مثل تلك المبادرة الكبرى لإحياء تراثنا وثقافتنا، لإخراج التاريخ من كتبه وعرضه حيّاً، تاريخنا الذي نفتخر به جدا، ولن أضيف على ما تفضل به سمو الأمير فيصل بن عبدالله، وزير التربية والتعليم في المملكة، الوزير الشجاع الذي كسر القواعد وقام بالعديد من الأعمال التي لم يسبق لها مثيل في مجال تطوير التعليم أو إعادة اختراع المنظومة التعليمية إن صح القول. حيث يهتم معاليه دائما وأبدا بالقضايا التي تمس المجتمع والمعرفة وهذا ما يبعثنا على الفخر بإنجازاته وفريق العمل معه والفخر بكوننا شركاءه. حيث عقدنا شراكة مع وزارة التربية والتعليم، ملايين الطلاب اليوم ينظرون إلى الوطن بمنظار متخلف، بشكل غير مسبوق. ملايين الأطفال اليوم والكبار أيضا يقصدون المواقع التاريخية، ومليون أيضا سيذهبون مستقبلا لمعايشة تاريخهم وماضي أجدادهم والاطلاع عليه بشكل حي بدلا من قراءته جامدا في الكتب. فمعايشة التاريخ بشكل مباشر أمر غاية في الأهمية يعمل على بناء روابط متينة بينك وبين الأمة التي تعيش في كنفها، تخرجك من منزلك، من شارعك، من مدينتك، لتنتقل إلى مناطق أخرى من الوطن لتتعرف إليها. نحن نعمل في جميع الاتجاهات وعلى كافة الأصعدة. حيث سيتم افتتاح متاحف جديدة، أحد عشر متحفاً كما أوضحنا سابقاً اليوم. وخلال الفترة من ثلاث إلى خمس سنوات مقبلة، من المتوقع أن يتم إنشاء 50 متحفاً جديداً، منها متاحف كبيرة ومنها إقليمية ومحلية وقصور قديمة يتم تحويلها إلى مراكز ثقافية. كما أننا نعمل على تأسيس تربية متحفية في المملكة. وذلك من خلال إطلاق البرامج المناسبة والتي يدعمها معالي وزير التربية والتعليم سمو الأمير فيصل كتنظيم زيارات الطلاب إلى المتاحف. فقد تبين لنا أن المتاحف تسهم في مضاعفة أعداد الزوار أضعافا مضاعفة. فالتربية المتحفية أمر مفقود في المملكة العربية السعودية، نعمل اليوم على إعادة إحيائه. وقد سررنا بتوقيع تلك الاتفاقية الهامة مع المتحف البريطاني والتي تسهم في تفعيل ما نقوم به من خلال البرامج التدريبية التي تقدم العلم والمعرفة إلى الثقافة المتحفية الجديدة. ستطلعون اليوم على المزيد من المعلومات، قمت بحذف أجزاء كبيرة من خطابي كانت تتعلق باستعراض مراحل تاريخية هامة واكتشافات وإنجازات وأتحت المجال لشخص متمكن جداً سيفيدكم، شخص متبحر في مجال المتاحف والآثار، شخص أتعلم منه شخصيا، وأكثر من ذلك، إنه الدكتور علي الغبان، نائب رئيس الهيئة للآثار والمتاحف، يمكنني وصفه ب"إنديانا جونز المملكة العربية السعودية" إن جاز التعبير. سيلقي عليكم الدكتور علي الغبان كلمة ثرية بالمعلومات الهامة، حيث سيتطرق في حديثه إلى الروابط العديدة التي كانت تربط الجزيرة العربية بالمناطق الأخرى كبلاد ما بين النهرين واليمن وشرق أفريقيا ودول الشمال وسوريا ومصر. وقد أشارت بعض الدراسات والنتائج الحديثة إلى وجود آثار لدروب تجارية قديمة لرمسيس الثالث عبر منطقة تيماء التي تقع شمالا على ملتقى دروب التجارة القديمة، لذلك نسميها نيويورك العرب أو لندن العرب إن جاز التعبير. ويمكن القول بأن نوافذ الجزيرة العربية وأبوابها مفتوحة دائماً. يرد إلى مسامعي الكثير من الكلام الذي يرمي إلى أن المملكة بلد منغلق، ومنطقة غامضة. أرغب في توضيح الأمر وتحدي أي شخص يردد مثل تلك الاحاديث. في الواقع تعتبر المملكة العربية السعودية من أكثر دول الشرق الأوسط انفتاحاً. إضافة إلى ذلك، يعمل في المملكة من 8 إلى 9 ملايين مقيم غير سعودي، يتمتعون جميعهم بمطلق الحرية في قيادة سياراتهم الخاصة والتنقل والذهاب إلى أي مكان يشاؤون الذهاب إليه. وهناك العديد من البريطانيين المقيمين في السعودية يعرفون الكثير عن المناطق الصحراوية في المملكة وإرثها التاريخي وآثارها أكثر من مواطنين كثر، لكن ليسوا أكثر مني!
 
لذلك لم تكن السعودية في يوم منغلقة، حدودها وسواحلها مفتوحة على الدوام. فأنعم الله على المملكة لتكون موطن الحج، لذا فقد تم تسخير كافة السواحل الغربية كبوابات لاستقبال الزوار من كافة أنحاء العالم، وهناك الكثير من الكتاب الذي زاروا المملكة كتبوا عنها على نطاق واسع، من بينهم السيدة "آن بلانت" التي زارت المملكة. فالمملكة اليوم تفتح نوافذها للعالم ليتعرفوا إليها ويدركوا بأنها أكثر من مجرد بئر للنفط أو محطة للوقود. يسعدنا أن نكون بلداً للنفط، إلا أنه لا يسرني أبدا حرقه في المركبات. فقيمة النفط لدي أكبر بكثير من مجرد حرقه كوقود للمركبة. والمملكة اليوم تنتج كميات كبيرة من النفط تفوق احتياجها الفعلي وذلك لكونها تلعب دورا كبيرا في استقرار المنطقة وفي الاقتصاد العالمي. تخيل ماذا سيحدث إن كان هناك نقص في كميات النفط، ترى ماذا سيحل بالاقتصاد العالمي، وكيف يمكنك قيادة مركبتك. جرب البعض منكم قيادة السيارات الجديدة التي تعتمد على أكثر من مصدر للطاقة. وقد قمت بشراء واحدة كلفتني أموالا طائلة إلا أن البعض قالوا لي أنها ستوفر قيمتها خلال عشر سنوات. يمل الناس سياراتهم ويغيرونها كل 4 – 6 سنوات، بينما أغيرها أنا كل 25 سنة !.
 
أود ان أختم حديثي الليلة بأن هذا هو سبب مجيئنا إلى هنا. نحن نتواجد الآن هنا لتوضيح العناصر التي تظهر المملكة العربية السعودية بشكلها الصحيح، بلد يهتم بالحضارات، يهتم بتاريخه وآثاره. حيث إن هذا التاريخ وتلك الآثار ليست لنا وحدنا، بل تشكل جزءا من التراث العالمي والتراث البشري. أنت من جهتك مثلا، كان للحضارات التي قدمت من أماكن مختلفة تفاعلا وتأثيرا على حضارتك هنا. لهذا السبب، نجد أنفسنا مسؤولين وحراس لهذه الحضارات العظيمة. نحن نؤمن بقوة الدين الإسلامي، فنعرف بالإسلام على أنه دين عظيم انبعث في أرض عظيمة وتلقته أقوام عظيمة.
 
ندرك بأن المملكة العربية السعودية اليوم تفتح صفحة جديدة، ونافذة جديدة. كما أنه من حسن حظنا أن نحظى بمثل هذا الدعم اللامحدود من شخصية فذة كخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز. الملك المفدى الذي يؤمن بهذا، ودائماً ما أرددها على مسامع زملائي: "لن تحظى بفرصة أخرى طوال حياتك لتحقيق أمور ترغب في تحقيقها إن لم تعمل على تحقيقها اليوم".
 
أشكركم جميعا وأقدر لكم حسن إصغائكم.
.+