افتتاح معرض روائع آثار المملكة ـ متحف البرغامون ـ برلين

  • Play Text to Speech


 

كلمة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان
رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار
في افتتاح معرض روائع آثار المملكة ـ متحف البيرغامون ـ برلين
الجمعة 1 ربيع الأول 1433هـ ـ الموافق 25 يناير 2012
 
 
 
 
 
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته:
أود اليوم أن أتحدث معكم باللغة الإنجليزية، وكم كنت أتمنى أن أتحدث إليكم بلغة مهمة مثل اللغة الألمانية، وهي لغة العصر، ولغة الثقافة، والفن، والآثار.
 
كما يسعدني الترحيب بكم جميعاً في هذه المناسبة المهمة والتي أعد نفسي فيها ضيفاً كذلك، كما أود أن أرحب بدولة المستشار الألماني السابق، ومعالي حاكم ولاية برلين، والضيوف من ألمانيا، ومن المملكة العربية السعودية، ومن كل مكان.
 
المتحدثون الذين سبقوني جعلوا مهمتي أكثر سهولة، فقد تحدثوا عن المملكة العربية السعودية بشكل وافٍ وشامل. لقد كان حديثهم مفعماً بالعاطفة والصدق عن المملكة العربية السعودية. لذلك سوف تقتصر مهمتي على الترحيب بكم، وتقديم الدعوة للعبور إلى المملكة العربية السعودية من خلال هذا المعرض الذي يمثل نافذة حضارية تعكس مدى ما تتميز به المملكة من بعد حضاري وعمق تاريخي.
 
صحيح أن أرض المملكة العربية السعودية تحتوي أضخم احتياطي نفطي في العالم، إلا أنها استطاعت أن توظف تلك الثروات في تحقيق التنمية الحقيقية والمستدامة من خلال الاستثمار في الوطن والمواطن، ومن النماذج البارزة في هذا المجال دعم الدولة لابتعاث أكثر من 150 ألف طالب سعودي للتعليم بالخارج برفقة عائلاتهم على حساب الدولة، البعض منهم يدرسون في أعرق جامعات جمهورية ألمانيا الاتحادية.
 
إن المملكة العربية السعودية من أكثر البلدان التي تبني أعداداً كبيرة من الجامعات والمدارس والمستشفيات في الشرق الأوسط. كما أنها اليوم تمر بعملية واسعة من التحول والتطور الكبير بطريقة غير مسبوقة في المنطقة كلها. وألمانيا واحدة من الدول المساهمة والمشاركة في هذا التطور الذي يقوده الملك عبد الله بن عبد العزيز في سعيه الدائم إلى الإصلاح والتطوير وصولاً إلى مستقبل مشرق لبلادنا وللعالم من حولنا.
 
إن المملكة العربية السعودية في حراك دائم نظراً لكونها دولة تأسست على مفهوم الإصلاح، كما أن من أسباب هذا الحراك الإيجابي هو كون الشعب السعودي ينحدر من ثقافات متعددة، ويعود إلى خلفيات تاريخية متنوعة، فإن الشعب السعودي هو نتيجة لمختلف المكونات الحضارية التي تقاطعت على أرض الجزيرة العربية.
 
كما أن الإسلام ـ أيضاً - تأثر بهذه الخلفية الحضارية التي تميز أرض الجزيرة العربية، وقد أشرت إلى شيء من مظاهر التأثير في محاضرتي التي ألقيتها في جامعة أكسفورد العام الماضي، ومن ذلك إشارتي إلى أن الإسلام استفاد استفادة عظيمة من الطرق والقوافل التجارية التي كانت تصل إلى مكة المكرمة، وتخرج منها محملة بأخبار هذا الدين العظيم، وتتشبع بتعاليم الدين الإسلامي السمحة، مما جعل مكة المكرمة في ذلك الزمان تمثل نقطة الالتقاء العالمي، ومصدر بث للعالم أجمع، وهي أشبه ما تكون بالشبكة العنكبوتية للإنترنت في عالمنا المعاصر، ولو لم تكن دائماً الجزيرة العربية في مركز الأحداث على مر العصور لما صارت إلى ما هي عليه اليوم من أهمية.
 
إن المملكة العربية السعودية تمثل تنوعاً جغرافياً وثراء طبيعياً كبيراً، فهي مكونة من الصحاري، والجبال، والسواحل البحرية، والبراكين، والوديان والجزر التي تتبدى للناظر في كل زاوية وأسفل كل صخرة. نحن هنا اليوم كما أقول دائماً لنفتح نافذة جديدة لنطل من خلالها على السعودية.
 
الكثير من القطع أحضرت من السعودية خاصة من تيماء، وتيماء هي المدينة التي تقع في الجزء الشمالي من الجزيرة العربية والتي كانت تمثل مركز تقاطع طرق التجارة قديماً. والفريق الألماني الذي يعمل في منطقة تيماء الآن للموسم الرابع والخامس كشف لنا بأن هنالك كثيراً من الجوانب التي تثبت أن تيماء كانت تمثل نقطة تبادل تجاري مهمة على مستوى العالم، وأنها كانت بمثابة نيويورك الجزيرة العربية في ذلك العصر.
 
اليوم سوف ترون الكثير من المكتشفات التي قام بها زملاؤنا الألمان المؤهلين، واليوم أنا أيضاً مسرور جداً؛ لأننا قمنا بتوقيع ثلاث اتفاقيات للتوسع في اكتشاف الكنوز الأثرية في الجزيرة العربية عن طريق ثلاثة فرق عمل جديدة من ألمانيا. لقد حضرنا إلى ألمانيا لنتعلم من الخبرة العظيمة للشعب الألماني، ولنتعرف على ألمانيا الثروة الاقتصادية الكبيرة، ألمانيا الصناعات الضخمة، وألمانيا العلوم. نحن أيضاً حضرنا إلى ألمانيا الثقافة والحضارة، فالشعب الألماني معروف بصورة خاصة بأنه شعب ثقافة عريقة.
 
كما نعلم إن من أهم مظاهر السياحة الألمانية اليوم هي السياحة الثقافية، لذلك نحن متفائلون جداً وواثقون بأن هذا المعرض سيكون واحداً من أهم وأنجح الإنجازات قبل محطته التالية في الولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر القادم.
 
هناك الكثير الذي يمكن تعلمه من ألمانيا، وأنا شخصياً كنت أتابع التجربة الألمانية فيما يتعلق بجدار برلين، وكنت بمساعدة صديق ألماني أتعرف على الدستور الألماني باللغة الإنجليزية، وأطلع على النظام السياحي المبتكر في ألمانيا.
 
في ألمانيا نحن في ضيافة متحف البيرغامون وهو واحد من أكبر المتاحف في العالم. وأنا هنا اليوم أيضاً أدعو متحف البيرغامون إلى زيارة المملكة العربية السعودية ليشرفنا بعرض مقتنياته عن الثقافة الإسلامية في المتحف الوطني بالرياض.
 
إن الملك عبد الله هو رجل الثقافة الأول، وكان في مقدمة من أرادوا التأكيد على أن التراث والحضارة السعودية ستكون جزءاً من التطور الكبير الذي يحدث في البلاد في ظل الكم الهائل من إمكانيات التواصل والاتصال الذي يحدث اليوم عبر الشبكات الاجتماعية خاصة وسط أغلب شرائح الشباب.
 
في المملكة العربية السعودية بدأنا العمل في مشروع وطني لاستعادة وإحياء تراثنا، فهناك أكثر من 24 فريق عمل مساند يعمل على المشروع فعلياً، وهناك العديد من القرى التراثية يجري تأهيلها، وترميمها، وإعادة بنائها، كما تم تفعيل العديد من البرامج في المدارس لإحياء الثقافة والتراث السعودي وتراث ما قبل الإسلام وبعده.
 
وبعد الإطلالة اليوم على المملكة العربية السعودية من خلال هذه النافذة، فإنني آمل أن نمضي نحو الباب لمشاهدة البعد الجديد الذي يبرز تميز المملكة العربية السعودية، وماهية السعودية حقيقةً. آمل أنكم تدركون ـ وأنا على ثقة من ذلك ـ البعد الديني الإسلامي للمملكة، وأن المملكة العربية السعودية هي أرض الحرمين الشريفين، إنها بؤرة الإسلام ومركزه، كما تعلمون ـ أيضاً ـ بأن المملكة العربية السعودية قوة اقتصادية وأكبر منتج للبترول في العالم، وأنها تملك أكبر قاعدة صناعية في الشرق الأوسط، وهي القوة الاقتصادية المعروفة في العالم.
 
المملكة العربية السعودية أيضاً تتمتع ببعد سياسي مهم عالمياً. المملكة أيضا في هذا الوقت معنية بإحلال السلام في العالم، والدعوة إلى الحوار بين الأديان والحضارات، إنها البلد الذي يقف في مقدمة الدول التي تسعى إلى وضع حلول لمشكلات العالم والعمل مع دول مثل ألمانيا لمعالجة القضايا العالمية التي نواجهها اليوم، أو التي قد نواجهها في المستقبل. إلا أن البعد الحضاري للمملكة العربية السعودية لم يجد حظه من الانتشار الذي يستحقه، واليوم بالنسبة لبلد مثل المملكة العربية السعودية فهي بلد حضارات عظيمة، إنها تقف على ميراث عظيم من الحضارات. نحن شعب المملكة العربية السعودية وراثياً نعتبر نتيجة حتمية لهذا الإرث، كذلك العيش في هذا الجزء من العالم الذي يتمتع بحساسية وخطورة عاليتين، هو نفس المكان في العالم الذي تتوفر فيه الفرص العظيمة.
 
هذا المعرض سوف يخبركم بأن أرض المملكة العربية السعودية كانت دائماً المنطقة التي تتقاطع فيها الحضارات في كل الأزمان والعصور. تلك الحضارات هي ما نحن عليه الآن عقلاً وعملاً، ونحن الآن نواجه كثيراً من التحديات والمشاكل هي اليوم مثلما كانت عليه بالأمس. نحن نعتقد في المملكة العربية السعودية أنه من لوازم القضاء والقدر أن نرضى بالعيش في هذا الموقع الجغرافي البالغ الأهمية، نعتقد كذلك بأنه من لوازم القضاء والقدر أن نكون قادرين على مواجهة تلك التحديات.
 
هذا المعرض سوف يكشف لكم بأن المملكة إلى جانب الأبعاد الأخرى المعروفة عنها، فإنها تتمتع بالبعد الحضاري الذي يرتكز على التفاعل مع الثقافات والحضارات المحيطة.
 
إذاً دعوني أرحب بكم مرة أخرى، وأن أشكر كل الضيوف لحضورهم اليوم، ولمعرفة المزيد عن المملكة، ليس هنالك أفضل من زيارة هذا المعرض. أنا مسرور جداً لحضوركم اليوم وأرغب كثيراً في أن تستمتعوا بوقتكم في هذا المعرض، وأن تحضروا المرة القادمة برفقة أبنائكم للتمتع الكامل بهذه التجربة.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

.+