كلمة ارتجالية لسمو رئيس الهيئة في ملتقى آفاق الاستثمار 2005



كلمة ارتجالية لصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان
رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار
في ملتقى آفاق الاستثمار
17 ـ 19 ذو القعدة 1426هـ ـ الموافق 18 ـ 20 ديسمبر 2005
 
 
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 
ليس لدي الكثير لأضيفه على ما قاله الإخوة الذين سبقوني حول أهمية انعقاد هذا المنتدى، وفي هذا الوقت بالذات، الذي تشهد فيه المملكة العربية السعودية زخما كبيرا من التركيز الحكومي وتركيز القطاع الخاص على قضية الاستثمار. إن قضية الاستثمار اليوم أصبحت قضية مرتبطة بمصير الدول، وليست قضية هامشية يتم التعامل معها على أساس أنها قضية خيارية، واليوم أصبحت اقتصادات الدول وتمكين هذه الاقتصادات من إنتاج فرص العمل، والتنوع الاقتصادي الذي يمكن أن ينشأ من تنوع مجالات، وفرص الاستثمار أصبح من أولويات الدول في ظل هذا العالم الجديد الذي نعيش فيه، والذي باتت فيه الحدود منفتحة، وأصبحت أنظمة منظمة التجارة العالمية تُملي على جميع الدول هذا الانفتاح بشكل أو بآخر، وأصبح هناك تنافس لجذب الاستثمارات من جميع الدول وبوسائل متعددة، وطرق ومحفزات إبداعية جديدة.
 
 
لقد رأت قيادة المملكة العربية السعودية أن قضية الاستثمار هي قضية أساسية ومحورية تتعلق بمصلحة المواطن أولا، وهي ليست قضية القطاع الخاص فقط، لكن قضية تحفيز الاستثمار هي قضية المواطن، وعندما ينهض الاستثمار تتنوع فرص العمل، وتتنوع فرص كسب الرزق والعيش الكريم، كما تتحرّك اقتصاديات المناطق، وتتحرّك اقتصاديات يُمكن أن تُحفز نمو البنية التحتية، وتحفز نشوء مجالات جديدة للمواطنين أن يكسبوا فيها ويستقروا، والاستقرار الاجتماعي هو أساس الاستقرار الاقتصادي والسياسي للدول.
 
 
ولذلك فإن المملكة العربية السعودية تعدّ من أهم الدول في العالم القادرة والتي وهبها لله سبحانه وتعالى إمكانيات جذب الاستثمار، فالمملكة العربية السعودية يوجد فيها فرص وموارد لا يُعادلها بلد آخر مقارنة بحجمها السكاني، ومقارنة بما يجري فيها ولله الحمد من عنصر أساسي يهم قضية الاستثمار، وهو عنصر الاستقرار السياسي والاستقرار الأمني، فمع ما مرت به المملكة العربية السعودية من عواصف وأحداث، سواء في السنوات القريبة الماضية أو سنوات تاريخها الحديث، إلا أنها ولله الحمد بقيت دولة شامخة، وتكاتف أهلها بعضهم مع بعض، ومع قيادتهم ودولتهم، وهو من مكاسب هذه الوحدة المباركة، وتعزّز ذلك خاصة في السنوات القليلة الأخيرة، عندما استهدفت المملكة استهدافا قُصد فيه اقتصادها وقُصد فيه تدمير الثقة الموجودة في اقتصادها، الذي هو اقتصاد ناشئ واقتصاد ناهض، وقد ثبتت هذه الدولة بحمد الله، بل إن الاقتصاد الوطني انطلق في آفاق أرحب وآفاق جديدة، وتعزز الاقتصاد الوطني، وتعززت الاستثمارات الوطنية، ووردت الأموال الوطنية والاستثمارية بأرقام غير مسبوقة، تجلى ذلك بظهور أكبر ميزانية في تاريخ المملكة ولله الحمد قبل أيام قليلة.
 
 
لقد نالت قيادة البلاد الثقة من أبنائها ، هذه القيادة الواعية الحكيمة، التي مارست دورها القيادي في السنوات الماضية بحكمة وروية، وبتمعّن وبأسلوب حكيم لاستيعاب الأزمات التي مرّت بها البلاد، وتعزيز الثقة بالنفس فيما خسر بعض أبناء البلاد للأسف ثقتهم في بلادهم، فنتج عن ذلك ما ترونه اليوم، فالمملكة العربية السعودية اليوم لا تُنصف فقط كأكبر دولة جاذبة للاستثمار الأجنبي، لكن تُنصف أيضا كأكثر دولة مستقرة سياسياً وأمنياً، ولو حدث ما حدث في المملكة العربية السعودية من أحداث، ولو 5 في المائة منها في أي دولة أخرى في محيطتنا لا ما رأيت اليوم كثير من هذه الاقتصادات الناشئة تنطلق كما تنطلق اليوم.
 
 
مرة أخرى أؤكد على أن العناصر التي يحتاج إليها نهوض الاقتصاد في أي دولة هو ما قد توافر في المملكة العربية السعودية، فقد وجدت في القيادة الحانية التي تهتم بالمواطنين والمستثمرين، وترون أمامكم المبادرات والقرارات الحكومية المتتالية والمتتابعة، وكثير منها تعتبر اختراق فيما يتعلق بالقرارات الكبيرة التي تصدر من القيادة، والتصريحات من القيادة فيما يتعلق بمستقبل البلاد.
 
 
كما أن وجود عناصر البنية التحتية، والاستثمار الذي تم في السنوات الماضية من بنية تحتية في البلاد، ومن أهمها الاستثمار في الإنسان، الاستثمار في المواطن السعودي، الاستثمار في التعليم والدراسات العليا، وما يتم الآن من توسع في الاستثمار في الإنسان، والبنية التحتية بشكل عام، سواء من الطرق والموانئ والتجهيزات، كل هذا الاستثمار أصبح اليوم رديفا أساسيا لنمو الاستثمار الوطني نموا كبيرا جدا، لم يشهده من قبل.
 
 
أنا اليوم أود أن أذكر نقطتين أساسيتين، أولاهما: أنني من الناس الذين يثقون في المواطن السعودي، وهذه الثقة لا تأتي من فراغ، ولكن من تعامل مع المواطن السعودي، وقدرة المواطن السعودي على تحمل المسؤولية، والانطلاق في مسؤولياته سواء في إدارة الشركات الكبرى، أو في الأعمال الاقتصادية، أو الأعمال التي تحتاج إلى عمالة مدرّبة تدريبا عاليا، وما نحن مهتمين به اليوم، وخاصة في مجال السياحة، وقد انطلقنا في ذلك بطريقة منهجية حديثة، بأن نُعزز هذه الثقة بالتدريب المبرمج المنظم، حتى يُمكن دمج المواطن السعودي في فرص العمل بطريقة منهجية ومدروسة ومتفق عليها. وثقتي في المواطن والمواطنة السعوديين تأتي من تجربة مررت فيها، وأعيشها كل يوم، والكثير من المسؤولين يمرون فيها، وتمرون فيها أنتم كمستثمرين أيضا، وما نراه اليوم من نهوض للقطاع المصرفي في المملكة، وقطاع التقنية، وقطاع الطب، والقطاعات المعقدة، كلها تأتي بيد المواطنين، وهذا دليل على أن المواطن عندما يجد التدريب والفرصة والتركيز، فإن المواطن السعودي سيكون مُنتجا إن شاء الله.
 
 
مرة أخرى، أنبه إلى نقطة أساسية، أن الدولة الآن ستقوم بفتح أبواب جديدة للاستثمار في المستقبل، وأنا أتكلم عن قطاع السياحة، وهو من أكبر القطاعات الواعدة في المملكة، وخاصة في إنتاج فرص العمل، وجذب الاستثمارات الكبيرة، وقد دفعت الهيئة الآن بعدد من المشاريع الكبرى لمقام المجلس الاقتصادي الأعلى، وبدأنا العمل بالعمل على إنفاذها، والعام المقبل عام 1427هـ سيشهد أيضا دفع عدد من المشاريع الكبرى على ساحل البحر الأحمر ومنطقة الخليج العربي، ووسط المملكة، وهي مشاريع كبرى وهامة نُريد من خلالها أن نلحق بالقطار الذي لم يفت، وننهض ببلادنا عبر هذا القطاع الذي يولد فرص عمل بأعداد كبيرة جدا؛ لكون السياحة هي صناعة من الصناعات الأولى المولدة لفرص العمل في العالم. ومن هذا المنطلق، فإننا ننظر إلى أن فرص الاستثمار في مجال السياحة لا تتعلق فقط بالبنية التحتية، أو المشاريع الكبرى، مثل: الوجهات السياحية، لكن تتعلق بفرص عمل سوف تبدأ الهيئة العليا للسياحة هذا لعام في طرحها تباعا، وتتعلق بمجالات الخدمات ومجالات تتعلق بالفعاليات، وبما يساعد المستثمر على أن يجد فرصاً جديدة لم يُمارسها من قبل، ولم يدخل فيها من مقبل، وأيضا ستساعد الصناعات الصغيرة والمتوسطة والمواطنين الذين يعملون، وقد يكون جزء كبير منهم يعمل في الدولة الآن، ليجدوا فرص العمل، وفرص توظيف نشاطاتهم، وخاصة مع وجود نشاطات، مثل: صندوق المئوية، وصندوق تنمية الموارد البشرية، وصناديق رديفة أخرى من القطاع الخاص، والقطاع الحكومي.
 
 
النقطة المهمة: أنني أنصح مما أره كمسؤول في الدولة وكمواطن، وكمسؤول يُتابع بكل قرب ما تقوم به القيادة الحكيمة رعاها الله، وهذه الدولة تبذل مجهوداً كبيراً لإحداث نقلة كبيرة جدا في الاقتصاد الوطني، فالملاحظ أن المستثمر الذي استثمر خارج بلاده، نحن ندعو له بالتوفيق، وهذا المواطن قد ذهب وكسب الخبرات اللازمة، ونراهم اليوم في كبار الشركات التي لديها الرغبة الجامحة في الاستثمار بنفس الطريقة والأسلوب في بلادهم، وأنا دائما أقول أن الاستثمار مرتبط بقضية الوطنية، ولا يُمكن أن تكون قضية الوطنية هي الأسلوب لجذب الاستثمار، فالمواطنون الذين يستثمرون في جميع أنحاء الدنيا اليوم لا يقلون مواطنة عن زملائهم المستثمرين في المملكة، ولكن المستثمر السعودي اليوم أصبح مستثمرا دوليا، وأصبح مستثمرا يفي باستثماراته ووعوده، ويعرف ما يقوله، ولديه الحنكة في الاستثمار، وأصبحت الدول تتسابق عليه، لأنه يضيف قيمة مضافة، ليست قيمة مالية مضافة، لكن قيمة إدارية مضافة، وقيمة إبداعية مضافة في المشاريع التي يقوم بها في هذه الدول، وهذا المواطن المستثمر أصبح أيضا يُريد أن يستثمر في بلاده، بنفس النموذج الاستثماري الذي تعوّد عليه فيما يقوم به في الدول الأخرى.
 
 
ويجب أن نوجه رسالة أيضا إلى المسؤول الحكومي، الذي يُعطل قرار الاستثمار، يجب أن نوجه رسالة الوطنية التي طالما استهدفنا فيها المستثمرين، ويجب أيضا أن نوصلها للمسؤول الحكومي والموظف الصغير والكبير الذي يُعطل الاستثمار، ويُبقي فرص الاستثمار حبيسة الأدراج، ويُعطل القرارات، ولا يُصدر القرارات المناسبة لجذب الاستثمار، ومن الوطنية أنك عندما تذهب إلى مكتبك صباحا كموظف، ومسؤول في الدولة، أن تُحاسب على كل دقيقة تجلسها في مكتبك، وعندما تتعطل فرص استثمارية كما تعطلت فرص استثمارية هاجرت إلى دول أخرى، أن مسؤوليتها ليست على المستثمر الذي تعطلت مصالحه، ولكن على المسؤول الذي عطّل هذه المصالح.
 
 
ولذلك نحن، وأنا أتكلم بوجود معالي صديقي وأخي وزير الزراعة، وهو من الناس الذين يأتون بفكر جديد لهذا المجال الاقتصادي الحيوي الكبير، والزملاء الآخرين من أجهزة الدولة، ونحن أيضا تأتينا تعليماتنا من قيادتنا بأنه لا عذر، وأنا استخدم وأستلف كلمة خادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله، أنه لا عذر اليوم أمام مسؤول الدولة الذي يُريد أن يُصدر قرارات فالباب مفتوح، والقيادة الملك وسمو سيدي ولي العهد، والمسؤولين في الدولة، من يُريد أن يُصدر قراراً، ويقول عندي فرص استثمارية أريد أن أحركها. ولذلك نحن ننظر بتفاؤل كبير جدا، وأنا أدعو المستثمرين السعوديين وغيرهم من الدول المجاورة والإخوان العرب والدوليين، أن يعيدوا الآن النظر في هذا البلد الذي سيأتي بهذا الزخم الكبير من الفرص، وسيكون بلد الاستثمار في المستقبل، وليس الاستثمار الوقتي، استثمار الفرص واستثمار الاستقرار، وأشكركم على حسن الاستماع، وأعتذر عن الإطالة، وأتمنى لكم التوفيق إن شاء الله.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.