الأمير الراحل و«هيئة السياحة».. تبناها لضخ فرص عمل للمواطنين



كان للنظرة الاقتصادية المحنكة والبناءة التي يتمتع بها الأمير الراحل الأمير سلطان بن عبد العزيز، تبني فكرة تأسيس الهيئة العامة للسياحة والآثار، بحيث يكون قطاع اقتصادي حيوي مهم منتجا لفرص العمل للمواطنين في السعودية، ومساهما في الناتج المحلي للاقتصاد السعودي.
وكانت رؤية الأمير سلطان بن عبد العزيز رئيس مجلس الهيئة العامة للسياحة والآثار سابقاً عند إنشاء الهيئة، أن تكون من المنشآت الحكومية التي تقدم مفهوماً جديداً للعمل في القطاع الحكومي، تعتمد على الديناميكية والرؤية بعيدة المدى، وتعتمد على الكوادر البشرية المؤهلة القادرة على تأسيس قطاع حيوي.
وقد أعلن الأمير سلطان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء، (النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء سابقاً)، خلال رعايته – يرحمه الله - لندوة السياحة الداخلية وآفاق المستقبل التي أقيمت في أبها في ذو الحجة 1417 عن تقديم مشروع للمقام السامي الكريم يتضمن ''إنشاء هيئة عُليا للسياحة في المملكة''، تكون مهمتها رعاية وتطوير قطاع السياحة في المملكة، وتقوم بالتنسيق بين كافة الجهات بما يخدم تنمية السياحة الداخلية.
كما أوصى المؤتمر الثالث لرجال الأعمال في المملكة الذي انعقد في أبها، في رجب 1407هـ، بضرورة إنشاء هيئة وطنية عليا للتخطيط والتنشيط السياحي. وطالب عدد من رجال الأعمال المواطنين في 1413 بإنشاء هيئة عليا للسياحة، حيث رفع رئيس مجلس الغرف التجارية خطاباً إلى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز – رحمه الله – يطلب فيه التفضل بالنظر في ''إصدار أمر كريم بإنشاء ''هيئة عليا للسياحة''، تكون تحت إشراف الملك ورعايته.
أعقب ذلك عدة لقاءات بين قيادات الدولة والمواطنين، مثل لقاء خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، ولي العهد آنذاك، مع لجنة السياحة الوطنية في تبوك بتاريخ رجب 1415، حيث تم التطرق خلال اللقاء إلى ''الدعوة إلى إنشاء هيئة أو مجلس أعلى يعنى بأمور السياحة الوطنية كهدف وطني اجتماعي واقتصادي''.
ويأتي الهدف من تأسيس هيئة السياحة للاهتمام بالسياحة في المملكة، وذلك بتنظيمها وتنميتها وترويجها، والعمل على تعزيز دور قطاع السياحة وتذليل عوائق نموه، باعتباره رافداً مهماً من روافد الاقتصاد الوطني، وذلك بما يتوافق مع مكانة المملكة وقيمها، والاهتمام بالآثار والمحافظة عليها، وتفعيل مساهمتها في التنمية الثقافية والاقتصادية، والعناية بالمتاحف والرقي بالعمل الأثري في المملكة، ويضطلع القطاع الخاص بالدور الرئيس في إنشاء المنشآت السياحية الاستثمارية.
وقد صدر قرار مجلس الوزراء رقم (9) بتاريخ 12/1/1421هـ، القاضي بإنشاء الهيئة العليا للسياحة تأكيداً على اعتماد السياحة قطاعاً إنتاجياً في بقاء السائح السعودي داخل البلاد، وزيادة فرص الاستثمار وتنمية الإمكانات البشرية الوطنية وتطويرها وإيجاد فرص عمل جديدة للمواطن السعودي، ونظراً لأهمية الآثار والمتاحف فقد صدر الأمر الملكي رقم أ/2 وتاريخ 28/2/1424 ونص على: ضم وكالة الآثار إلى الهيئة العليا للسياحة، وتصبح الهيئة مسؤولة عن تنفيذ مهام الآثار إلى جانب مسؤوليتها عن السياحة، ثم صدر قرار مجلس الوزراء رقم 78 وتاريخ 16/3/1429هـ، ليصبح المسمى الجديد (الهيئة العامة للسياحة والآثار)، تأكيداً على أن السياحة الداخلية واقع وطني يستلزم قيام الجهات المسؤولة بالتخطيط لتطويره وتنميته، انطلاقاً من المقومات السياحية المتميزة التالية: نعمة الأمن والأمان التي تتميز بهما المملكة، وأصالة المجتمع السعودي المضياف، وتميز الموقع الجغرافي، والمساحة الشاسعة للمملكة، وما تشتمل عليه من تضاريس متباينة ذات مناخ متنوع ومناظر خلابة، وتوفر المواقع الأثرية والتاريخية المهمة، وتميز التراث الثقافي الوطني، وتوفر الخدمات الحديثة والبنية التحتية اللازمة لصناعة السياحة.
ما بين توثيق تجربة الهيئة العامة للسياحة والآثار في تطوير قطاع اقتصادي جديد، وتحقيق نجاحات على كل الأصعدة، كانت هناك عشر سنوات من الإنجازات على تأسيس المنشأة العملاقة، كانت هناك تجربة مميزة مليئة بالصعوبات والنجاحات والإنجازات، فقد عملت الهيئة منذ تأسيسها على إرساء الأسس لتحفيز نمو قطاع السياحة، وقطعت شوطاً كبيراً في تنظيمه وتطويره وتنميته على المستوى الوطني وعلى مستوى المناطق وفق إطار الاستراتيجية العامة لتنمية السياحة الوطنية المُقرَّة من الدولة في عام 1425هـ (2004م)، التي تم تحديثها أخيرا.
وقد تحققت خلال السنوات الماضية عدداً من الإنجازات الملموسة في تطوير السياحة الداخلية والآثار والمتاحف والتراث الوطني، وتأسيس منظومة متكاملة من الشراكة في التنمية السياحية، وما تبع ذلك من الإقبال عليها والتعامل معها بثقة من جميع فئات المجتمع. وتبدو تجربة الهيئة المثيرة تستحق التأمل واطلاع المهتمين على تجربتها في المجال السياحي، وتقييمها، والاستفادة منها بشكل موضوعي سواء في تنظيم وتطوير قطاع السياحة والآثار والتراث العمراني الوطني، وليتيح للجميع الاطلاع بشفافية على مختلف المبادرات التي طرحتها الهيئة ونفذتها إبان فترة التأسيس وما بعدها، من خلال إنشاء وإدارة مؤسسة حكومية عصرية، وتطوير قطاع اقتصادي جديد يتوقع، في حال احتضانه ودعمه بالشكل الذي تدعم به القطاعات الاقتصادية الناشئة، أن يكون أحد أهم القطاعات إنتاجاً لفرص العمل وجذباً للاستثمار، ومساهمة في الناتج الوطني، وهو ما أكدته خطط التنمية الشاملة للمملكة بالنص على أن ''تطوير السياحة فرصة واعدة لتنويع قاعدة الاقتصاد الوطني وزيادة مصادر الدخل وتوفير فرص العمل للمواطنين''.
وبعد أن تأسست الهيئة كان لا بد من وضع منطلقات يسعى الجميع لتحقيقها، وتكون أمامهم لتحدد المسار، وتستحث القوى، وقد اشترك في تكوين هذه المنطلقات المجتمع السعودي بجميع شرائحه وقطاعاته، فنشأت بصيغة فريدة رؤية السعودية للسياحة، ويلحظ استناد الرؤية على إطار شامل لتنفيذ السياسات، أركانه مبادئ الاستدامة والجدوى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وسمو ما تتمتع به المملكة من قيم إسلامية وتراث وضيافة تقليدية، وهي:
تسعى السعودية ـــ وهي مهد الإسلام ـــ إلى تنمية سياحية قيمة ومميزة ذات منافع اجتماعية، وثقافية، وبيئية، واقتصادية، انطلاقا من قيمها الإسلامية، وأصالة تراثها العريق وضيافتها التقليدية.
وتهتم المملكة في ظل قِيَمِها ومُقَوِّمَاِتها المتميزةِ بتنميةٍ سياحةٍ متوازنةٍ ومستدامة، تُحَقِّقُ تنوعاً اقتصادياً، وإثراءً اجتماعياً، وتوجِد فرصاً للعملِ، وتحافظُ على البيئةِ والأصالةِ الثقافية.
وتعتمد تلك المهمة على المشاركة الفعالة بين القطاعين العام والخاص في تحقيقها، فالقطاع العام يتولى دور التحفيز والإرشاد التخطيطي وتوفير البنية الأساسية اللازمة للتنمية السياحية والمعلومات والدراسات والبحوث، في حين يتولى القطاع الخاص الدور الرئيس في الاستثمار السياحي المباشر، وتنفيذ السياسات التنموية والتسويقية لصناعة السياحة، والمحافظة على جودتها ونوعيتها وتنوعها، مع تدريب وتأهيل القوى العاملة الوطنية لتمثيل السياحة الوطنية خير تمثيل، كل ذلك في إطار المحافظة على البيئة والأصالة التي تتميز بها المملكة.
وتعد الهيئة العامة للسياحة والآثار مركزاً للتحفيز السياحي، وتعمل من خلال شراكة وثيقة مع الأطراف والشركاء المعنيين لتحقيق رؤية ومهمة السياحة في المملكة، وتكون الداعم الأساسي لإحداث التنمية السياحية المستدامة التي تتماشى مع الثوابت الإسلامية والقيم الاجتماعية والثقافية والبيئية السائدة في المملكة.